فترة الهدوء في داريا

 

مضر محمد مأمون حاج حسين

16-02-2026

 

في ربيع 2011، ظهر في داريا، إحدى ضواحي دمشق، نمط لاغي غير تقليدي. إذ تم اختيار اللاعبون المحليون أن يواجهوا القوة المسلحة بزهورٍ وقوارير رياضيين بدل الشتاء. بدت هذه كما للوهلة الأولى إيماءات رمزية، ولكن كانت ثمرة عقود من دراسة اللاعنف وتنظيره، فحملة "زهور اليسار" هدفت إلى إعادة صياغة الصورة الرمزية للتظاهرين، ونزع الشرعية عن آلة القمع.

داريا كمدرسة للاعنف

داريا ليست مجرد موقع جغرافي، مجال تنظيمي للناشطين منذ ذلك الحين على أساس قيم اللاعنف والمواطن. نشأت "مجموعة شباب داريا" في عام 1998، وتحررت من أعضاءها بسبب مناقشاتهم حقوق النشر[1]. شجع الشيخ عبد الأكرم سقّا تلاميذه، ومن بينهم يحيى شربجي، على قراءة أفكار جودت سعيد والربط بين القرآن وتجارب غاندي ومارتن لوثر كينغ[1]. هذا الإطار من داريا مختبراً للدينانية؛ إذ نظم الشباب حملات للشوارع وحملات ضد الفساد، مما أدى إلى ملاحقتهم وسجن التحالف[1]. عند قفزة الثورة السورية، تغير هؤلاء فوجئوا بالتنظيم إلى فرقات سلمية تنادي بالديمقراطية والمساواة[2].

زهرة الاسكواش: كيف تنشأ التكتيكات؟

مع بداية الانتفاضة، عرف البعض منهم مثل يحيى شربجي وسلام دباس بإصرارهم على مكافحة العنف. رغِب بعض الأشخاص الساخطين في شتم الجنود أو رشهم بالحجارة، لكن يحيى أقنعتهم بتقديم قوارير الماء[1]. روى الصحفيون أن الجنود الشباب، الذين كانوا تحت ضغط قياداتهم، بدوا حائرين عندما استلموا القوارير والزهور، بدأوا بالعمل كبشر[1]. بعد يوم من الإعداد، كتبوا رسائل مثل: "نحن إخوتكم، لا تقتلونا، الوطن يتسع لنا جميعاً"[1]. كان الهدف مضاعفاً: مخاطبة الجانب الفرعي لدى الجنود، وحراج النظام الذي يدّعي حماية مجاناً.

الشهادات الإنسانية

نرحب بشركاء الناجين والأقاربين بتفاصيل ثرية البُعد التحليلي للمقال:

منع الجنود : تروي الصحفية رضوان زيتونة أن الجنود بدوا مذهولين في إحدى بعضات عام 2011 عندما رأوا قوارير الماء والورود، إذ قرأت كل المشاركات ثم بدؤوا يجمعون القوارير من الأرض، يمنعوا جماعياً لهم من تحرير النار[3]. هذه اللحظة البسيطة قادرة على أن تتمكن مخاطبة الجنود بشكل إنساني من الحصول على تردد أو تضامن مؤقت.

القناعات الشخصية للناشطين: تقول شقيقة الناشط إسلام دبّاس إن شقيقها كان مقتنعاً بأن العنف لن يغير سوريا، بل يستبدل ديكتاتوراً بآخر، لذلك كتب على إحدى الرسائل: "نحن سوريون، لماذا تقتلوننا؟"[3]. في رسالة أخرى، أصرّ يحيى شربجي على أن الثورة يجب أن تكون أخلاقية داخلية قبل أن تتحقق على الأرض[3].

تحول القائمين على المبادرة: تشير أفرا جلابي إلى أن الناشط إسلام دبّاس كان مترددًا في البداية تجاه نهج اللاعنف، لكنه أصبح من أبرز داعميه بعد أن لاحظ تأثير تقديم الماء على الجنود[1]. اعتُقل دبّاس وهو يقدّم الماء عام 2011، ثم أُبلغت عائلته بوفاته بعد سنوات[3]، ما يكشف حدود حماية هذا التكتيك أمام آلة القمع.

كيف تشبه داريا تجارب شعوب أخرى؟

الرمزية ليست حكراً على داريا؛ فقد عرفت حركات اجتماعية أخرى تكتيكات مشابهة:

خلال حركة "قوة الأزهار" (Flower Power) في الولايات المتحدة في الستينيات، دعا الشاعر (آلن غينسبرغ) المتظاهرين إلى حمل "أعداد هائلة من الزهور" لتقديمها للجنود والصحفيين والسياسيين، لتعكس رسالة حب في وجه العنف[4]. خلال مسيرة البنتاغون عام 1967، التقط المصوّر (بيرني بوسطن صورة لمتظاهر يضع زهرة في فوهة بندقية جندي، وأصبح المشهد رمزاً عالمياً للاحتجاج السلمي[4].

في ثورات أخرى، استخدم ناشطون تقديم الورود أو رموز السلام للشرطة والجيش لخلق مساحة تواصل إنساني، رغم أن هذه الرمزية لم توقف العنف دائماً، إلا أنها ساهمت في كسب تعاطف الرأي العام وزادت الضغط السياسي على الأنظمة.

هذه الأمثلة تؤكد أن تكتيكات داريا ليست معزولة، بل تنتمي إلى تقليد عالمي يرى في الرموز واللافتات وسيلة لتقويض شرعية القمع وفتح قنوات تواصل مع خصوم محتملين.

التأثير السياسي والاستراتيجي

لا يمكن اختزال التكتيك في مشهد مؤثر فحسب، بل له خلفية استراتيجية ودلالات سياسية:

إعادة تعريف "الآخر": عبر التعامل الإنساني، حاول الناشطون تحويل صورة الجندي من "عدو مطلق" إلى إنسان قد يتردد في إطلاق النار، وهو ما ظهر في مواقف منعَ فيها جنودٌ زملاءَهم من إطلاق الرصاص[3].

تحفيز المشاركة وتقليل تكاليف الانضمام: تقديم الزهور والماء منح المحتجين وسائل بسيطة يمكن لأي شخص القيام بها، مما خفض من حواجز المشاركة مقارنة بأفعال أكثر خطورة. تشير أبحاث المقاومة المدنية إلى أن الحملات غير العنيفة التي تجمع بين الرمزية والتنظيم والحشد الشعبي تتمتع بفرص نجاح أكبر من التحركات المسلحة[5].

كسر الرواية الرسمية: وثائق الفيديو والصور التي أظهرت متظاهرين حاملين وروداً وقوارير ماء نقلت رسالة إلى الجمهور المحلي والعالمي بأن المحتجين سلميون، ما وضع النظام في معضلة أخلاقية. هذا الكسر للرواية المهيمنة مهم لبناء تحالفات وتوسيع دائرة الدعم.

حدود التكتيك: رغم تأثيره الأخلاقي والرمزي، لم يمنع هذا التكتيك القمع؛ فقد اعتُقل كثير من القائمين عليه، وعُذب آخرون حتى الموت[3]. لذلك، يجب فهمه كجزء من خطة أوسع تشمل حماية الناشطين، توثيق الانتهاكات، وبناء ضغط دبلوماسي وإعلامي، وإلا بقي مجرد لقطة رمزية معرضة للانطفاء.

الدروس المستفادة والتوصيات العملية

بناءً على تجربة داريا، يمكن استخلاص توصيات عملية لأي مجموعة تسعى لتبني تكتيكات مماثلة:

التقييم السياقي : دراسة البيئة المحلية ومستوى العنف حتى قبل تنفيذ العمل رمزية، خطة الحكومة الرشيدة للمشاركين.

الشهادات والتوثيق : جمع قصص شخصية وتوثيق ردود فعل الفعل لحقوق الإنسان عبر تصوير أو شهادات مكتوبة، لما لذلك من مساعد في بناء سردية مقاومة ومنعين.

تكامل مع خمسة أخرى : يجب ألا يعتمد على الرمزية وحدها، بل يندمج التكتيكي في تحالفات مدنية، وضغط قانوني وتنظيمي، ومتابعة طويلة المدى.

التعليم والتمرين : يمكن استلهام الخبرة في برامج التربية المدنية، من خلال تمارين نموذجية للعمل على التواصل الثقافي وتسمية المشاعر، وتدريب الشباب على استخدام رموز بسيطة لنزع الشرعية عن العنف.

لم يكن من الممكن أن يكون مجرد "الزهور الريفية" في داريا مجرد حاجة شاعرية، بل تجسيداً تعاونياً وستشعر بأن الإنسانية يمكن أن تصبح سلاحاً في مواجهة العنف. بالرغم من أن الزهور لم تتوقف عن الرصاص، إلا أنها خلقت شرخاً في سردية النظام وأعطت الفضلاء والأجيال اللاحقة بقوة في أن المقاومة ليست فقط مواجهة مادية، بل عملية إعادة تعريف للذات وللآخر. لذلك، عند نقل تجارب اللاعنف اليوم، علينا أن نربط بين الكتابة والسياقات الأوسع، وأننا نأمل أن القوة المهمة الرمزي توضع في تكامله مع حرية التنوع وضغط متواصل.

 

 

م:

[1] زجاجات المياه والورود – بريسينزا: https://www.pressenza.com/2011/11/water-bottles-x-roses/ /

[٢] داريا، رمز الثورة السلمية - صوت السلام: https://www.voiceofsalam.com/daraya-symbol-of-non-violent-revolution/ /
[٣] الورود في مواجهة القتل - إي إيه وورلد فيو:  https://eaworldview.com/2018/10/roses-v-killing-syrias-peaceful-protesters-erased-by-the-assad-regime/
[٤] تقديم الزهور للشرطة: تاريخ استخدام الزهور في الاحتجاج - ذا فاينانشال إكسبريس: https://thefinancialexpress.com.bd/views/offering-flowers-to-police-the-history-of-using-flowers-in-protest-1642581168

[5] تشينويث وستيفان - لماذا تنجح المقاومة المدنية: https://www.nonviolent-conflict.org/wp-content/uploads/2016/02/Why-Civil-Resistance-Works..The-Strategic-Logic-of-Nonviolent-Conflict.pdf