ستة مبادئ حول العنف

رهف العلي

12-12-2025


بقلم مايكل ناجلر

 

 

يمكن للعنف أن تكون طريقة آمنة ويمكنه على الظلم، ولكن مثل أي علم آخر يتطلب المعرفة والشجاعة والعزيمة.

فاليلر

 

فيما يلي ستة إرشادات فعالة لعمل الللاعنف بشكل آمن وفعال، مع إمكانية ممارسة الللاعنف المتجذرة في تراثك الثقافي.
وكما سنرى، هذه الإرشادات تستند إلى أساسيتين أساسيتين يجب مراعتهما:

 

نحن لا نعادي الآخرين، بل نعارض أفعالهم فقط.
وسائل لا تنفصل عن الغايات؛ فالوسيلة هي مرآة الغاية، ولا يمكن للعنف أن يؤدي في النهاية إلى نتائج جيدة.

 

1. احترم الجميع _ بما في ذلك نفسك.

 

كلما زاد احترامنا للناس، قدرتنا على استخدامهم في التغيير.

لا تستخدم أبدًا أداة الإذلال، ولا تقبل أن تُذَلّ من الآخرين؛ فالإذلال ينتقص من كرامة الجميع.
تذكّر: "لا يمكن لأحد أن يهين دون إذنك."
النجاح في اللاعنف الحقيقي يتجلى في بناء علاقات سليمة وصادقة بين الباحثين، وهذا ما يعجز العنف عن تحقيق النجاح.
حتى في حالات العنف الشديد، كان غاندي يعتقد أنه يمكن أن تكره الخطيئة، وليس الضرر.
في عام 1942، عندما كان الهنود تحت التعذيب البريطاني الذين يخشون من غزو اليابانين، قال غاندي لرفاقه:


 

"لو كنا قادرين على فعل ذلك، لكان من مايكل القيام بعدم العنف لمنع قانون اليابانيين من دخول البلاد. ولكن بما أن الأمر ليس كذلك، فإن مقاومة العنف يجب أن تبدأ منذ اللحظة التي تحاول فيها يابانيون النزول إلى أراضينا.

وبالتالي، سيرفضون اللّاعنفيون تقديم أي نوع من المساعدة، حتى ولو كانت، لأنها ترى قرينة بمعاونة أحد على سلبي وطنهم.
ولكن ضلّ شخص ياباني لسبب أن يموت عطشا، يشرب كإنسان، فإن اللاعنف الذي لا يعتقد. أحد عدواً له سيسقي هذا العطشان المائي
أما إذا حاول اليابانيون إجبارين على تسليم الماء، إلا أنهم يقاومون حتى الموت.

 

2. ودائما ما يغير مسار وبنّاءة. الملموس دائمًا ما يؤثر كثيرًا من العمل الرمزي المجرد، خاصة عندما يؤدي إلى خلق بديل لبناء مثل: المدارس، اختر الاقتصاد المحلي، تشكيل التعاونيات الزراعية، وابتكار نظم مصرفية تراعي مصالح المجتمع. كما قال كومينستر فولر ( بكمينستر فولر ):

 


 "لا يمكنك تغيير الواقع بمجرد مقاومته؛ إن أردت التغيير حقاً، فابنِ نموذجاً جديداً يجعل النموذج القائم بلا جدوى."

 

لقد أطلق غاندي 18 مشروعاً مكن الهنود من تولّي زمام مجتمعهم، مما سهّل عليهم إلى حدّ كبير التخلص من الحكم البريطاني، وأسّس لقيام ديمقراطيتهم المنشودة.

وللعمل البنّاء مزايا عديدة، منها:

 

أنه يساعد الناس على إلغاء اعتمادهم على النظام القائم، من خلال إنتاج احتياجاتهم وتوفير السلع والخدمات بأنفسهم.
فلا يمكنك التخلص من أي مضطهِد طالما أنك تعتمد عليه في تلبية حاجاتك.

العمل اللاعنفي لا يقتصر على ردّ الفعل تجاه الانتهاكات، بل يضعك في موقع المبادرة، مما يساعدك على التحرر من السلبية والخوف والعجز.

هذا يعطي الحركة طابعاً مستمراً، إذ يمكن مواصلة العمل البنّاء حتى في الأوقات التي لا تكون فيها المقاومة المباشرة ممكنة أو حكيمة.

وقد أظهرت الدراسات أن العمل الجماعي هو الطريقة الأكثر فعالية لتوحيد الناس. فهو يبني المجتمع، ويطمئن عامة الناس بأن تحركك لا يشكل خطراً على النظام الاجتماعي.

لكن الأهم من ذلك أن هذا العمل يُنشئ البنية التحتية اللازمة لليوم التالي لسقوط النظام القمعي.
فكثير من الثورات نجحت في الإطاحة بأنظمة قمعية، لكنها سرعان ما وجدت نفسها أمام طغاة جدد يملؤون الفراغ.

قاعدة عملية يُستحسن اتباعها: كُن بنّاءً كلما أمكن، ومعيقا كلما كان ذلك ضرورياً.


 

3. فكر بطريقة استراتيجية:

 

العمل اللاعنفي غالبا ما يحقق نتائج إيجابية، وأحياناً أعظم مما نتوقّع.
فعندما كانت الصين تعاني من مجاعة شديدة في خمسينيات القرن الماضي، نظّم فرع الزمالة من أجل المصالحة في الولايات المتحدة حملة عبر البريد لحثّ الرئيس أيزنهاور على إرسال فائض الغذاء إلى الصين.
شارك في الحملة نحو 35,000 أمريكي. وكانت الرسالة إلى الرئيس تقتصر على اقتباس بسيط من سفر إشعياء:
"إذا جاع عدوك، فأطعمه."

لم يكن هناك أي رد وقتها، لكن بعد مرور 25 عاماً، تبيّن أن هذه الحملة ساهمت في إحباط اقتراحٍ بقصف أهداف في الصين القارية خلال الحرب الكورية! ففي اجتماع حاسم لهيئة الأركان المشتركة، أعلن أيزنهاور:
"يا سادة، بما أن هناك 35,000 أمريكي يريدون منا أن نُطعم الصينيين، فليس من المناسب أبداً أن نبدأ بقصفهم الآن."
في بعض الأحيان "ينجح" العنف بمعنى أنه يفرض تغييراً معيناً، ولكنه على المدى الطويل يؤدي إلى مزيد من المعاناة والفوضى. فنحن لا نستطيع السيطرة على نتائج أفعالنا، لكن يمكننا التحكم في الوسائل التي نستخدمها، بما في ذلك التحكم في مشاعرنا وحالاتنا الذهنية.

وإليك معادله مفيدة:

 

العنف قد "يعمل" أحيانا، لكنه لا يُجدي نفعاً على المدى الطويل (في تحسين الأحوال والعلاقات مثلاً)، أما اللاعنف، فهو "يعمل" أحياناً، لكنه دائمًا يُجدي.

 

احرص على أهداف واضحة.
تَمسّك بالثوابت مثل الكرامة الإنسانية، وكن واضحاً بمبادئك، لكن كن مستعداً لتغيير التكتيكات أو تقديم تنازلات فيما عدا ذلك.
تذكّر، أنك لا تخوض صراعاً على السلطة (حتى لو بدا الأمر كذلك للخصم)، بل تخوض صراعاً من أجل العدالة والكرامة الإنسانية.
في اللاعنف، قد تخسر كل المعارك، ولكنك تظلّ قادراً على الفوز في الحرب!

 

4. ابحث عن حلول تحقق المكسب للجميع.


أنت تحاول إصلاح العلاقات، لا أن تسجل "انتصارات".
في النزاع، قد نعتقد أحياناً أن على طرف أن يخسر لكي يفوز الطرف الآخر، وهذا غير صحيح.
لذلك، نحن لا نسعى لنكون منتصرين أو أن نعلو فوق الآخرين، بل نسعى للتعلم وتحسين الأوضاع لصالح الجميع.
أثناء المفاوضات المحتدمة حول قوانين الفصل العنصري في مونتغمري بولاية ألاباما، قدّم مارتن لوثر كينغ الابن ملاحظة لافتة، أوردها في كتابه خطوة نحو الحرية: قصة مونتغمري.
 إذ كشف أحد محامي شركة الحافلات في المدينة، الذي كان يعارض مطالب المجتمع الأميركي من أصل أفريقي بإنهاء التمييز، عن السبب الحقيقي لموقفه:
"إذا استجبنا لمطالب الزنوج، فسيذهبون متباهين بأنهم حققوا نصراً على البيض؛ وهذا ما لن نقبله أبداً."

وبناءً على ذلك، نصح كينغ المشاركين في الحركة بعدم التفاخر أو الغرور، مُذكّراً إياهم:
"من خلال اللاعنف، نتجنّب الوقوع في فخ عقلية المنتصر."
فعقلية المنتصر تنتمي إلى منطق "أنا ضدك"، أما الشخص اللاعنفي فيرى الحياة على أنها تطور مشترك نحو مجتمع محبّ ينعم فيه الجميع بالازدهار. فالتفاخر بما يُعتقد أنه "انتصار" قد يُقوّض في الواقع ما تم تحقيقه بشق الأنفس.

5. استخدام القوة بحذر.

 

نحن معتادون، خصوصاً في الغرب، على الاعتقاد بأن القوة "تنبع من فوهة البندقية".
صحيح أن هناك نوعًا من القوة ينبع من التهديد والعنف الصريح، لكن هذا النوع من القوة يفقد تأثيره إذا قررنا ألّا نخضع له.

هناك، في المقابل، نوع آخر من القوة — قوة تنبع من الحقيقة.
لنفترض أنك تطالب بإزالة ظلمٍ ما، وربما عبّرت عن موقفك من خلال احتجاجات مهذبة، لكن حازمة، ومع ذلك لم يستجب الطرف الآخر.
في هذه الحالة، كما قال غاندي:
"لا يكفي أن نخاطب العقول فقط، بل علينا أن نحرّك القلوب أيضاً."
يمكننا أن نُظهر الظلم من خلال استعدادنا لتحمّل المعاناة الناتجة عنه بأنفسنا. وهنا تتجلى قوة "ساتياغراها" أو "قوة الحقيقة".
وفي بعض الحالات القصوى، قد يُطلب منا أن نثبت استعدادنا لتحمّل هذه المعاناة حتى لو كان ذلك على حساب المخاطرة بحياتنا؛ ولهذا من المهم أن نكون واضحين تماماً بشأن أهدافنا وأن نحسن استخدام هذه القوة بحكمة.

 

لقد أثبت التاريخ، وكثيراً ما تثبت تجاربنا الشخصية، أن حتى أشدّ الخصومات يمكن أن تذوب أمام هذا النوع من الإقناع الذي يسعى لفتح أعين الخصم دون أن يُجبره.
ومع ذلك، هناك حالات قد نحتاج فيها إلى ممارسة بعض أشكال الإكراه.
فمثلًا، حين يرفض ديكتاتور أن يتنحى، علينا أن نتحرّك بسرعة لإنهاء المعاناة الواسعة الناتجة عن سوء استخدامه للسلطة. وحتى عندما نضطر لذلك، يجب أن نفعل ذلك باستراتيجية وحرص لاعنفي قدر الإمكان.
 أما حين يكون الوقت مناسباً، فعلينا أن نلجأ إلى قوة الصبر والإقناع، وإلى تحمّل الألم بدلاً من إلحاقه.
فالتغيير الناتج عن الإقناع هو تغيير دائم؛ فالشخص المُقتنع يبقى مُقتنعاً، بينما الشخص المُكره ينتظر الفرصة للانتقام.

 

6. استعادة إرثنا.

لم يعد اللاعنف مجرد صرخة في كامل بل أصبح جزء من نسيج التغيير الجديد. يجب علينا دائمًا أن نسعى جاهدين لاستخدام اللاعنف بشجاعة وعزيمة وإستراتيجية توصية، فالنجاح يصبح ممكنًا، بل راجحاً؛ سواء فزنا أو خسرنا في الظاهر، نكون قد ساهمنا في تحول عظيم في العلاقات الإنسانية - ذلك التحول الذي يعتمد عليه مستقبلنا.

تعتمد هذه البدايات على إيمان أن الحياة متكاملة بشكل واضح عندما نفهم أساسياتنا الأساسية، وندرك أننا في منافسة مع أحد.   
وكما قال مارتن لوثر كينغ: "لن أكون ما ينبغي أن أكون، حتى تكون أنت ما ينبغي أن تكون. ولا يمكنك أن تكون ما ينبغي أن تكون، حتى أكون أنا ما ينبغي أن تكون".

تم نشر هذا المقال لأول مرة في مجلة "اللاعنف".