29-10-2025
أليساء السلام في جوهره نقيضاً للعنف؟ إذن لا نلجأ إلى مصطلح "اللَّا عنف" دون "السلام"؟ لأنَّ السَّلام ليس غياب الصّراع المُلصق، بل هو جديلةٌ محكمة أطرافها: "لا" و "عنفٌ" ؛ الرفض الصارم للعنف الذي يختزن في طياته وجوهَ الجور كلَّها: اضطهاداً وطغياناً وفساداً وعنصرية. فالسلام يبدأ "لا" حقيقي.
إنَّ قَولةَ "لا" تحمل بطيَّاتها مرتبةً من الاسترخاء، ولا تعرفها من حسِبِ السَّلام هو الاستسلام، والسمكت لذلكِّ والنوع. فهي افضل من ماهية العنف الرّضة له. فصرخةُ: "سلميّة.. سلميّة" التي دوَت في شوارعَ درعا وريف دمشق، في بدايات العقد الماضي تقريباً، والتي اثمرت ينعُها بباقي المحافظات السُّوريّة، وكانت محاولة لنهج اللّاعنف، لكنّها تجد طاقياً مضاداً ففاقتها وأفقدها يمكن إنجازها، فمالت الثورة السلميّة إلى الكفاح المسلّح. فمطارُ المُعنِّفين بهتافات مثل "سلميّة" لم تزدهم إلّا تعرّتاً.
وإن أدنا إلى التأريخ مُستقصين كافى خطى السلام، والآن يمرّ لضوء "لا" الرَّافضة، المُناضلة، الّتي آمنة أعضاءها الآن للكلِمة وزنها، وأنَّ للكلمة أن تُغيّر، وتحدث فرقاً، وتمطر غيثاً، لأن أيِّ نوع من السّلاح، بل فعل.
ولهذا السبب "روزا باركس" لنفسها، وهي صاحبة شهر لا بالعالم، تلك الـ "لا" الّتي قذفت أحرفها إلا راجمة وجه فرنيّة، والتي أرتِ العالمَ كيف لـِ "لا" واحدة من سيّدةٍ إفريقية أن تُشعل فتيل السَّلام بسلاحِ اللَّاعنف. إذ أنه في عام 1955م، وفي ظل فصل العُنصريّ في المتحدّة، حيثُ كانت تسود قوانين أمريكا لسببٍ ما، تنازلت عن تلك السّيّدة اعتُبرت من مقعدها لرجلٍ أبيضَ. لم أتمكن منها أن تصل إلى الجسد بقدر ما كان تعباً من الشُّعورِ بالزيارات. تلك الكلمة لم تكن بالسَّهلة المساغة، الّتيت نقل الحياة لما هي الآن بطرفة عين، بل العكس الجمع ؛ كلمتها تلك كانت قد أودت بالفعل بداية من العناء، بدءاً من السجن، لدفع الغرامات، لكنّها فتحت باب النِّضال النّميّ، والّّذي انتهى بإسقاط قوانين الفصل العُنقُريّ، وخلّفَت سلاماً لطبقة كبيرة كان يُتعامَل على أساس الرقيّة والبوديّة.
هكذا يتجلى لنا أن السلام هو نتيجة اللَّاعنف، وأنَّ اللَّاعنف ليس هدوءًا ساكنًا، بل هو قوّةٌ فاعلة تتغذّى من شجاعة الرَّفضين. فصل كلمة "لا" لاستخدام لا يخفُت، بل يتراكم كموج البحر، ليُخبرنا أن غطاء غيير الأكثر استدامة هو الذي نبتَ من بذور اللاعنف. وعندما تنتهي الحروب، وتخفتُ أصوات المُعارِكاتِ، والدبابات، والسواريخ، يبقى صدى أصوات العُزَّل؛ ليُردِّده الجلاء، ويتعدَّى للأجيال، صدىً منَ السَّلام المُدوّي عبر الزّمن.