كيف نكسر العنف قبل أن نكسر نجمة؟

 

وفاء الإسلام

18-02-2026

 

اللاعنف ليس ترفاً فكرياً ولا شعاراً مثالياً يصلح لخطابات المؤتمرات فقط، اللاعنف سؤال وجودي؛ كيف يمكن لمجتمعٍ أنهكته الحرب و تفككت فيه الثقة و تراكمت فيهجاع الأو، أن يعيد بناء نفسه دون أن يعيد إنتاج العنف بأشكال جديدة؟

بعد سنوات من الصراع، يعد العنف في سوريا محصوراً في السلاح. أصبح خطاباً ومجلساً، ومنشوراً على وسائل التواصل، وطريقة التربية، وأسلوب الاختلاف. ومن هنا تبرز الحاجة إلى فهم اللاعنف، ليس كامتنا المتعددة عن الأذى، بل كمنهج واعٍ مبتكرة في العلوم وبنية العلاقات على أسس الكرامة والعدالة والمساءلة. ولذلك، كاستراتيجية شخصية وسياسية اجتماعية واجتماعية، تركز على مواجهة الظلم دون آخر إلى القوة جسديًا أو الإكراه، وبالتالي إلى تغيير البُنية المولدة للعنف.

لكن في الحقيقة السورية، لا يمكن الاكتفاء بالتعريفي للعنف. فالسياق الذي يمتد خلال سنوات الحرب، ويعمل على صياغة مفاهيم القوة والكرامة والعدالة. كثيرون باتوا للذهاب إلى العنف هو اللغة الوحيدة المتكاملة، وأن الرد القاسي هو الشكل المشروع حسب الذات. من هنا يصبح اللاعنف خياراً صعباً، لأنه يتطلب وعياً ذاتياً عالياً، وقدرة على ضبط الانفعال في بيئة مشبعة بالاستفزاز والخوف.

اللاعنف لا يعني الصمت أمام الظلم، ولا تغيير بالأمر الواقع، بل يعني إعادة تعريف القوة. القوة هنا ليست في القدرة على الإيذاء، بل في القدرة على إدارة الغضب، وتحويل الصراع من مواجهة الصفرية إلى تسوية تفاوض إنساني. انتقال من الفعل المستجيب إلى الكائن الواعي.

لقد شهدنا تحولات قوية في تنظيم العنف، فمع امتداد الصراع، لم يعد العنف في سوريا حدثاً بالتأكيد، بل أصبح خبراً يومياً، ثم تحول إلى التحكم في تفاصيل الحياة.

أصبح التخوين والتشكيك والاتهام الفريق ذو الاسم الرئيسي، سواء في النقاشات العامة أم في الفضاء الرقمي. ومع ذلك، فقد فقدت هذه الصفتها الصادمة، وأصبحت مقبولة ضمنياً.

بفضل الإنصاف الاقتصادي، والفقدان، والتهجير، والصدمات النفسية غير المعالجة، انعكست داخل الأسرة. فازداد الاهتمام، وتراجعت عن القدرة على الحوار، والعناية بالعيادات الداخلية.

فحين تتآكل فرص العمل، وتتراجع الخدمات، ويشعر الأفراد بعدم العدالة، يتشكل عنف غير مرئي، ولكنه يؤثر بشكل عميق. هذا النوع من العنف لا يُرى في الشوارع، ولكنه يتجلى في الإحباط، والانسحاب، أو المتفجرات.

وفي هذه التحولات، يصبح عدم العنف هو الذي يسمح بإعادة تخصيص التنوع البيولوجي.

ولفهمنا الحقيقي أكثر، من حيث الإضاءة على الأفلام التي تسجل انقساماً حاداً.

 في أحدها وخلال سنوات الصراع، عاد شاب إلى جديده بعد سنوات من الولادة. كان يمر بداخله عاطفة، فقد خسر منزله وقضى عائلاته. في أحد الأيام، التقيت بشخص كان يعاني من مسؤولية غير مباشرة عما حدث لعائلته. وسرعان ما تغير كل شيء، وكاد الحوار أن يتحول إلى الجبل.

مفاجأة كانت مهيأً لتكرار قصة مألوفة؛ اتهم بضربة، ضربة تستدعي ثأراً، ووثأر يعمق داخلياً قديماً.

لكن لم يتأثر أحد، واقترح استخدام جلسة مصارحة بدل التغيير. جلسة خاصة في منزل بسيط، بحضور عدد محدود من الوجه. طُلب من كل شيء أن يتحدث عن خسارته، لا عن تشناته.

تحدث سامر عن شيئه بالعجز، عن سنوات الغربة، وأحس بأن أحداً لم يفهم ألمه. وتحدث الطرف الآخر عن مستقبليه، وسيتحسن بشكل أفضل بحماية عدم الإيذاء.

لم تُمحَ الجراح، ولم توافق على الصداقة. لكن ما حدث كان مهماً؛ كسرُ حلقة التصعيد، ثم الاعتراف بالألم دون تحويله إلى وقود للعنف الجديد.

ليست هذه القصة استثناءً بموضوعياً، بل نموذجاً لما يمكن للاعنف أن يفعله حين يُمارس كآلية مجتمعية متنوعة ومتنوعة.

إعمار الحجر أسهل من إعادة إعادة الإنسان، فالإنسان الذي عاش الخوف الطويل يحتاج إلى إعادة التأهيل النفسي والأخلاقي. ومن هنا يتجلى دور اللاعنف، عبر تطوير الوعي السائد، وإدارة الجميع، وفهم الصدمة، ومن خلال تعليم مهارات الأطفال حل مختلف والحوار بدلا من العقاب، ودعم الوساطة، والحوار المحلي، والمساءلة الاستراتيجية.

اللاعنف لا يأتي من بنسيان ما حدث، بل يدعو إلى الجميع بطريقة تمنع انتقاله إلى الجيل التالي.

 اللاعنف في مجتمع مجروح، قد يُفهم بالإضافة إلى دعوة إلى الاستسلام أو التغاضي عن الظلم. لذلك من الضروري تعريف أن مكافحة العنف لا تتعارض مع العدالة، بل على العكس، هو رياضي لتحقيق العدالة دون الحاجة إلى الانتقام.

الصح الحقيقي الجديد في غياب الأسف، وفي الإرهاق النفسي الجماعي. فلا يمكن مطالبة الأشخاص بضبط انفعالاتهم دون توفير مساحة لتوفير الدعم النفسي والاجتماعي، كما لا يمكن الحديث عن مصالح دون وجود انترنت مساءلة.

 اللاعنف ليس خياراً مثالياً سهلاً، بل هو قرار شجاع ومتكرر. هو أن نختار الحوار عندما يكون الصراخ أسهل، وأن نتمسك بالكرامة عندما يبدو الانتقام أسرع إشباعًا للغضب.

المجتمع الخارجي من لا يتنافس لا تقدرها على التحكم في السيطرة فقط، بل بقدرتها على إعادة إنتاج إنسان أكثر وعياً وعدلاً. واللاعنف، وهو نوع مختلف من الجراثيم يومية واعية، قد يكون أحد أهم الأشياء التي يمكن إعادة استخدامها في بناء الإنسان السوري قبل إعادة بناء المدن.