7-03-2026
إن أهم ما نريده ندرك ما هو اللاعنف، بما يتوافق مع أكثر أهدافنا وتفرداً في الإنسان بالضرورة، وهي وسيلة تواصله مع الآخرين — اللغة .
إن البحث في جذور اللغة وتشكلها للتواصل، يحتاجنا بالضرورة إلى ما هو فطري وغير عنيف فينا؛ إلى التفكير بما في ذلك تحقيق هذا التواصل بفعالية .
تنطلق هذه الرحلة بإلقاء الضوء على فكرة اللغة من نظرية، استكشاف لاستكشاف الكيفية التي تعمل بدماغنا تحضيراً لنشوء زاوية اللغة في إطار تاريخي علمي، بهدف العودة إلى جذب التواصل البشري، وفهم ما يعيقه في زمننا، وما يمكننا فعله .
القيادة :
ما يمكننا أن نثق به هو ما لدينا من علماء عظام، أن دماغنا يتيح لنا، ومن الولادة حتى الموت، الفرصة لنتعلم؛ لأنه يتكيف وبمنتهى النهائي مع ما يحدث حوله .
وعلى الرغم من أن نقطة ضعف دماغنا الوحيدة يمكن وضعها في عدم تحديدها بين الواقع والخيال، فإن هذه النقطة هي التي تجعل المستحيل ممكنا؛ حيث أن الصناعات ما نتخيله .
نقترح عليكم هذا للتساؤل :
ما الذي يبعد دماغنا عن إبداعه؟
إذا لم تكن اللغة دليل إنسانيتنا من حيث عمق تواصلنا وتميزنا بالإبداع، فلسوف نقول إن استطاعتنا التحكم بشكل كامل، وبالتالي بسلوكنا وتواصلنا مع الآخرين؟
فلينا أولاً
إن اللغة، دليل إبداعنا الأول، بما فيها من وسائل التواصل — لا تبدأ الكلام ولا تنتهي بأي وسيلة تعبير آخر — لا تملك على السهولة التي يتصورها من تملك القدرة على الكلام، ولا على التحكم عند من يفقدها .
واعتبر فان دراسة اللغة —أساسيات — تتناول اللغة بشكل شامل ومختلف جوانبها (من حيث أصوات الكلام، وبنية الكلمات والقواعد التي تنظمها، مؤثرة الدلالات والمعاني التاريخية المتغيرة عبر العصور، وتتميز بكل لغة عن أخرى) .
ولما لم تكن الأهمية خاصة بدراسة الطبيعة البشرية، والتدخل بطريقة في الفكر والفعل والعلاقات الاجتماعية، كما يرى أحد أهم العلماء (نتعامل مع تشومسكي)، وفي النهاية سنستعين في الجزء الأكبر من مقالتنا بدراساته .
في كتابه (اللغة ومشكلات المعرفة – 1928)، يؤكد تشومسكي أن اللغة على أشكالها من مختلف ألوان التواصل، تشكل أكبر دليل على قدرة الإنسان الفطرية على الإبداع، فهو لا يحتاج إلا إلى تعلم القليل منها من المحيط، حتى تنطلق سلسلة الإبداع اللامتناهية والمتميزة عند كل شخص، يقول:
"إن الملكة اللغوية خصيصة من خصائص النوع، وعامة في أفراده ومقصورة عليه في صفاتها الأساسية، وهي قادرة على إنتاج لغة غنية ومفصلة جداً ومعقدة، على أساس من مادة لغوية قليلة."
يفرد تشومسكي في كتابه (اللغة ومشكلات المعرفة) الحيز الأكبر للبحث والتدقيق في مختلف القواعد والأساليب النحوية للغات كافة. إلا أن ما يهمنا الآن هو ما أوصله إليه هذا البحث، وهو حقيقة أن اللغة بالشكل الذي يتواصل فيه الناس في المجتمع — وليس بالشكل الذي يتم تلقينه في المدارس — هي بالكامل إبداع فطري يخلق مع كل طفل ويتطور بنشأته، فهي ملكة فطرية خاصة بالإنسان وحده، وإنه من غير الممكن أن يكتسبها عن طريق التعلم. ولا يغفل تشومسكي تأثير البيئة المحيطة، ولكنه يرى أن تأثيرها يقتصر على تطور التواصل أو عدمه ولكن ليس على تشكل اللغة:
"ليس اكتساب اللغة شيئا يعمله الطفل في واقع الأمر، بل هو شيء يحدث له إذا ما وضع في بيئة ملائمة. وهو أمر يشبه نمو جسم الطفل ونضجه بطريقة محددة مسبقاً حين يقدم له غذاء ملائم وبيئة حافزة. ولا يعني هذا أن البيئة لا تسهم بشيء فيه، فهي التي تحدد الطريقة التي تثبت بها متغيرات النحو الكلي، وذلك ما ينتج عنه لغات مختلفة."
ما يحاول تشومسكي أن يلفت انتباهنا إليه هو أن البحث في اللغة وأساليب استخدامها وما تتأثر به، لا يختلف عن البحث في الخصائص العضوية الأخرى لدينا:
"الفرق بين بيئة غنية حافزة وأخرى فقيرة كبير في شأن اكتساب اللغة كما هو في مظاهر النمو العضوي الأخرى، حيث أننا نعد اكتساب اللغة واحداً من هذه المظاهر. فيمكن لذلك أن تتفتح قدراتنا التي هي جزء من إعدادنا الإنساني المشترك أو ربما يحجر عليها أو تكبح، تبعاً للظروف التي تكتنف نموها"
ولفهم ما يعيق إدراكنا لهذه الحقائق البسيطة، يدعونا تشومسكي للتساؤل: لماذا درج المفكرون على اعتبار الإنسان متأثراً بالمجتمع من الناحية الفكرية والاجتماعية بتقاليد فكرية معينة ليست أصيلة في إعداده الأحيائي، في حين أن أعضائنا الحيوية الأخرى ثابتة دون تأثر؟ فلو اعتبرنا اللغة كما يطمح تشومسكي أن يتم إثباته على أنها كأي جزء عضوي من الإنسان، ففي الحالة هذه، لماذا لا نحتفظ بقدرتنا على التفرد والإبداع بدلاً من أن ننساق فكرياً؟
يقول:
"... وقد ذكرت فيما سبق السيطرة الكلية للتصور السلوكي الذي يرى أن اللغة والمظاهر الأخرى لاعتقاداتنا ومعرفتنا وحضارتنا بوجه عام محكومة بالتجربة، كما كانت التقاليد الماركسية ترى أيضاً أن بني الإنسان نتاج من نتائج التاريخ والمجتمع فهم ليسوا محكومين بطبائعهم الأحيائية. ولا ترى هذا الرأي فيما يتعلق بالخصائص العضوية الإنسانية، كوجود الأذرع عند الانسان بدلاً من الأجنحة، لكن هذا الرأي صحيح في نظرها فيما يتصل بالحياة الفكرية والاجتماعية والثقافية بصورة عامة."
وفي مناقشة مشكلة الانسياق الفكري للمجتمع على نطاق أضيق، يسعى تشومسكي إلى توضيح نظريته – نظرية النحو التوليدي – (والتي يتطرق تفصيلاً لأغلب جوانبها في كتابه، متوقعاً إثباتها في حال سمح لعلماء التشريح بتشريح دماغ بشري — وهو أمر ممنوع لاعتبارات دينية)، وارتباطها في العمق بما يعاني منه المجتمع باستمرار، وخاصة في علاقة الأفراد وتواصلهم.
فبين مشكلة إدراكنا لما نسمعه من الآخرين، ووعينا بما نقوله — أو بالأحرى السبب الذي يجعلنا نقول ما نقول — يكمن الأصل في الإبداع البشري؛ ما يسميه تشومسكي "المظهر الإبداعي لاستعمال اللغة".
يقول تشومسكي:
"... إن الاستعمال السوي للغة استعمال مبدع على الدوام وغير متناه، وهو منسجم وملائم للمقامات التي يستخدم فيها، ويثير لدى السامع الأفكار التي يمكن أن يعبر عنها بالطريقة نفسها. لذلك فإن المتحدث لا يقوم بتكرار ما سمعه بل ينتج أشكالاً لغوية جديدة، وهي جديدة حتى في تاريخ اللغة، وهذا الابتكار لا حدود له."
إن تلك المساحة أو المسافة بين ما نسمع وما نقول، تقود بالضرورة إلى التواصل الفعال اللاعنفي مع الآخرين.
إنما مظاهر العنف والتواصل الانفعالي، هي ما يطرأ على سلوكنا ويكتسب.
عند هذه النقطة،
لو خرجنا قليلاً من الإطار النظري لمفهوم اللغة، وتتبعنا جذور إبداع التواصل عند الإنسان في إطار علمي، سنجد أنفسنا أمام التفكير في كيفية عمل دماغنا وتعامله مع المحيط، والتي أدت إلى نشوء اللغة.
عن نشوء اللغة
إن فهم نشوء اللغة ليس بالبساطة التي نستخدمها بها، وهو أمر اختلف عليه الباحثون؛ فمنهم من يرى أن اللغة بدأت كلغة إشارة، ثُمَّ تحولت (تدريجياً أو فجأة) إلى الأسلوب الصوتي، تاركين الإيماءات الحديثة كبقايا تطوريَّة.
بينما يعتقد بعضهم الآخر أن الخصائص الخاصة للغة قد تطورت على مراحل، ربما على مدى ملايين السنين، من خلال سلسلة من سلالات أسلاف البشر. إمّا تطوراً ثقافياً بحتاً، أو أنه تطوراً تطلب تغيُّرات جينية في أدمغة المتحدثين.
مقتربين بالتالي مما يؤيده القسم الأخير، ومنهم (تشومسكي)، بأن:
هذه التغيُّرات جاءت في قفزةٍ واحدة، من خلال طفرة واحدة خلقت النظام الكامل في الدماغ، والذي يُعبِّر من خلاله البشر عن معانٍ مُعقَّدة من خلال مزيج من الأصوات. وهو ما يميز البشر عن باقي الكائنات بشكل قطعي.
إن الصعوبة في دراسة تطور اللغات تكمن في قلة الأدلة، فما بحوزة الباحثين لا يخبرهم إلا بحجم الدماغ وشكله العام وليس بما يمكن أن يقوم به. والأحافير المتوفرة لا تشكل دليلاً على اللغة، إنما يقتصر ما تؤكده على أن الإنسان الحديث ومنذ مئة ألف عام لم يكن شكل المسالك الصوتية لديه يسمح بالمجموعة الحديثة من أصوات الكلام، ما لا يساعد كثيراً في تحديد وقت بداية اللغة.
إن شيئاً فارقاً حصل للبشر بين 50000 و100000 سنة مضت — عندما بدأ العثور على القطع الأثرية الثقافية التي تشكل دليلاً على ما يمكن تسميته "حضارة". إلى ذلك الوقت
ومنذ انفصال الانسان عن الشمبانزي أي (منذ ستة ملايين سنة او نحو ذلك) تتشكل فجوة تطورية تسمح لنا بالتساؤل:
كيف أصبح البشر أكثر ذكاء؟
هل اكتسبوا مزايا فكرية بسبب تطويرهم للغة تواصل مكنتهم من حفظ التاريخ بشكل شفهي عبر الأجيال؟
هل تطورت اللغة من عدم وجود لغة إلى اللغة الحديثة، أم من لغة بدائية إلى اللغة الحديثة؟ وإذا كان الاحتمال الثاني فمتى ظهرت اللغة البدائية؟
كل هذه الأسئلة لا نعرف إجاباتها في الوقت الحالي، ولكن ما يجمع عليه الباحثون هو أن دماغنا يتمتع بقدرة على ربط الكلمات الفردية لإنشاء المعاني منها، ما أسس لنظام تواصل بدائي نرى ما يشبهه عند طفل بعمر عامين وفي البالغين لدى تعلمهم لغة أجنبية جديدة، ما دفع الباحثين إلى اقتراح أن هذا النظام "اللغوي البدائي" لا يزال موجوداً في أدمغة الإنسان الحديث، لكنه موجود بشكل مخفي في ظل نظام التواصل الحديث، ولا يظهر إلا عندما يكون هذا الأخير مُعطَّلاً أو لم تتم عملية تطويره بعد.
إن نظام التواصل الحديث هذا والذي أنتج أدمغة اصطناعية الذكاء وربما ثقافات مصطنعة، لن يطغى على لغة تواصل بشرية تعود سجلاتها لأكثر من 5000 سنة. فربما تغيرت اللغات تدريجياً بمرور الوقت، بسبب التغيُّرات في الثقافة والموضة، وأحياناً كاستجابة للتواصل مع لغات أخرى، ولكن الهندسة الأساسية والقوة التعبيرية للغة تظل كما هي.
وهو ما يؤكد ما يتحدث تشومسكي عنه في هذا المجال، بأن الملكة الفطرية الأساسية موجودة لدينا وما علينا إلا تطويرها.
لقد أنشأنا تاريخاً كاملاً من مئة ألف عام قائم على لا شيء بناء على الأفكار المجردة التي تخرج من أذهاننا.
فهل بإمكاننا جعل العالم منطقياً من جديد عن طريق لغتنا؟
حدود اللغة هي حدود العالم
إن خروج اللغة في عصرنا الحالي، وبالتالي تفكيرنا وربما دماغنا وطريقة عمله، عن سيطرتنا الفعلية، وخروج السلوك البشري عن فطرته، يغرينا بالعودة وتذكر ما فكر به (لودفيغ فيتجنشتاين) (الفيلسوف النمساوي والباحث في فلسفة اللغة 1889- 1951) واضعاً إيانا أمام تحد كبير لفهمه في رسالته المنطقية (رسالة منطقية فلسفية 1921).
ما أراد فيتجنشتاين إيصاله، يختصر بعبارته الشهيرة:
حدود اللغة هي حدود العالم:
فاللغة هي صورة منطقية عن العالم الواقعي، مهمتها وجوهرها يكمن في تمثيلها ما هو موجود في العالم وما نشعر به. واستخدامها خارج هذا الإطار المنطقي لعلاقتها بالعالم، لا يعدو كونه لغواً وكلاماً فارغاً من المضمون.
مثل (القضايا الميتافيزيقية) والتي برأيه أنها السبب في انحدار اللغة إلى اللامعنى، هي ليست صواباً ولا خطأ، إنها فقط بلا معنى. فبرأيه أن الفلاسفة ضربوا البنية المنطقية للغة في الصميم: من خلال ابتكارهم لكيانات لغوية لا معادل واقعي لها. ما يشبه برأيي ما يحصل في عالمنا اليوم. وما يمكن مناقشته بشكل منفصل في مقال لاحق ربما...
وبالعودة الى تساؤلنا:
هل بإمكاننا جعل العالم منطقياً من جديد عن طريق لغتنا؟
يبدو لي أنه لا بد من ذلك، فعلى الرغم من كثرة ما يفقدنا القدرة على إدراك ما فطرنا عليه (وهو أننا كائنات غير عنيفة تسعى إلى التواصل الفعال)، إلا أن البديهيات لا تتغير في النهاية. وإحساسنا بالدهشة من فطرتنا التي أجبرنا على إغفالها لا يفقدها بديهيتها.
كما لا يجب أن نهمل جانباً من الخطورة من الممكن أن يقودنا إليه الاعتقاد الكامل بفطرية اللغة، وهو الإيمان الكامل بالفطرة والحدس، ذلك أن الحدس من الممكن أن يكون مانعاً للبحث.
إن دماغنا يفرد بذور تواصل واسع النطاق لمؤسسة إنسانية لإبداع لا حدود له، وبإدراكنا لمسؤولية إبداع جسور هذا التواصل نعود بفكرنا إلى الحقيقة، بكل ما تحمله من اختلاف وعمق .
وس تبواننا هذه الأخيرة أو تلك، أو تبعنا منهجاً نشراً أم بقينا على فطرتنا ..
الولايات المتحدة :
نعوم تشومسكي، اللغة ومشكلات المعرفة (محاضرات ماناجوا)، ترجمة د. حمزة بن قبلان المزيني .
حسام جمال، كيف بدأت اللغة، المحطة، 18 يناير 2022 .
لودفيغ فيتغنشتاين، التحليل اللغوي ومجلسية اللغة الصورة
https://youtu.be/kae0vNfTWgo?si=hubN9IHUW28M-Egb