عنف العالم وعنف سوريا وثقافة اللا عنف.

 

قيس نجار 

27-03-2026
___________________________ 
عندما اخترع الألماني يوهان غوتنبرغ آلة الطباعة في القرن الخامس عشر، تلك الآلة التي غيرت وجه التاريخ، ساهم اختراعه بنشر الثقافة على نطاق واسع، أي أنه فتح الحدود أمام المعرفة وساهم بشكل حاسم بانتشار الأفكار. 
في تلك الأثناء، عندما وصل خبر تلك الآلة إلى الإمبراطورية العثمانية، أعلن رجال الدين رفضهم الحاسم لتلك الآلة، مخافة أن يحصل خطأ ما في طباعة القرآن، أو لنقل بلغة أخرى، إن المقدس وقف في وجه الدينامية التاريخية التقدمية، وجعل من تاريخ المنطقة التي يحكمها العثمانيون تاريخا غارقاً في الجهل بينما كان العالم في طريقه إلى الحداثة، وبالخصوص في أوروبا، التي ظهرت فيها الحداثة أصلاً. 
ما نشير إليه أن العثمانيين مسؤولون بطرق مباشرة وغير مباشرة عن إيقاف تاريخ منطقة واسعة عند نقطة معينة، وللأسف الشديد فإن ما يعرف ببلاد الشام كان أحد تلك المناطق المحكومة من العثمانيين، ولعلنا ما زلنا ندفع إلى الآن فاتورة التخلف الحضاري الذي أوقعنا فيه العثمانيون. 
لا نحمّل هنا كل المسؤولية للعثمانيين عما نحن فيه، ولكن نشير إلى أن عصر العثمانيين المديد مارس على شعوب منطقتنا عنفاً مفرطاً ما زلنا ندفع فاتورته إلى الآن، فما بالك بما حدث بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية؟ 
ما حدث على مستوى العالم من عنف في القرن العشرين، أقل ما يقال عنه إنه مهول، فحسبنا الحديث عن الحرب العالمية الثانية التي خلّفت ملايين القتلى والجرحى، ناهيك عن الحروب المتعددة في مختلف قارات العالم. 
إن مشهدية العنف في العالم أجمع، هي مشهدية مهولة ومفجعة وكئيبة ومفزعة، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن التطور العسكري بلغ في القرن العشرين مرحلة فاقت حاجة البشر للأسلحة، فبعض الجيوش في العالم، تمتلك قدرة تدميرية كافية لتدمير الكرة الأرضية نفسها أكثر من مرة، فما بالك بتدمير دولة أو جيش ما؟ 
ما شهده القرن العشرين إذن، يفوق في كثير من الأحيان قدرة البشر على الاحتمال أو التوقع، لكن ما نشهده كسوريين له خصوصيته أيضاً، فالعنف في سوريا ينجم في جزء كبير منه، عن بنى سلطوية تمارس العنف بكل الطرق الممكنة، والحال أن الأفكار التي بدأت تنتشر في العالم منذ اختراع الآلة الطابعة في القرن الخامس عشر، لا شيء يمنعها الآن من الانتشار، فعصر السوشل ميديا جعل المعرفة ملكاً للجميع، إذ لا أحد يحتكر الآن المعلومات، أو لا أحد يمنع المعرفة من الانتشار. لذلك فإن ثقافة اللا عنف في سوريا وإن واجهت البنى الاجتماعية والسلطوية المختلفة، أي تلك البنى التي تتغذى على العنف، فأمامها أقل ما يمكن، الفضاءات التي فتحتها السوشل ميديا لتنتشر فيها وتعمل على تفكيك النزعات العنفية.
من المعلوم أخيراً، أن ثقافة اللا عنف تحتاج إلى عمل لا يقتصر على فضاءات السوشل ميديا لتحقق أكبر قدر ممكن من الفاعلية، لكن هذه الفضاءات تشكل المهرب الأخير للناس عندما تضيق بهم الفضاءات الأخرى، أو عندما لا يجدون منفذاً للتعبير عن رأيهم.