12-05-2026
يقول فاوستي أنطونيني: إن المشكلة الحقيقية لا تقوم على إبعاد الأسلحة الأشد فتكاً وتدميراً. بل المشكلة الحقة تقوم على جعل الحياة جديرة بأن تعاش، وعلى جعل الرغبة في الموت أو في إحداث الموت لا تظهر لدى الإنسان. في الواقع، عندما يرغب الإنسان في الموت أو في تسبب الموت، فإنه يجد في كل الأحوال، وسيلة لإشباع هذه الرغبات بعيداً عن الأسلحة التي يملك. فإذا لم يقتل وإذا لم ينتحر، فإنه يموت ويسبب الموت النفسي - الجسدي بواسطة القلق والخوف والضجر واليأس والتهور، والرغبة الجامحة لضبط كل نزواته الغريزية والسيطرة عليها.
إذاً، فالمشكلة الحقيقية لا تقوم أبداً على إزالة الحروب بقدر ما تقوم على دفع الناس إلى عدم الرغبة في القيام بها، إنها لا تقوم على إزالة السلاح إنما على معرفة ما سيحدث بالعدوانية المتراكمة عندما لا يعود بالإمكان استعمالها للقيام بالحروب. فالمشكلة ليست في تغيير طرق التخفيف، إنما السعي والمحاولة لإزالة أسباب تراكم العدوانية.
… إننا نعيش في مجتمع مجنون، يحاكم الحب ويمجد الحقد. والمؤسسات الاجتماعية، بالنسبة للأكثرية، هي مؤسسات عنف وخبث. إنها تقوم على الشكليات والخوف. إننا نحكم على النتائج (نحاكم مثلاً الدعارة والحروب) وفي نفس الوقت نمجد الأسباب. إننا نعيش في محيط من الشكليات، نرى فيه أفضل الأشخاص يغرقون. فالأشخاص الأكثر موهبة نفسياً وبيولوجياً، يقعون عادة ضحية التنظيم الاجتماعي الذي يدفعهم إلى العصاب ويجعل مصيرهم ملعوناً، والذي يدفع إلى الأمام، باصطفاء مقلوب لا يقاوم، هو الأكثر خبثاً، والأكثر مكراً، وأولئك الذين يجيدون، بشكل أفضل حياكة الدسائس والمكائد.
هذا هي أحوالنا هذه الأيام، نحكم هكذا على كل ما يجعل الحياة جديرة بأن تعاش، ونمجد احتقار الحياة بالذات. والأمر الأكثر مأساوية، والأمر غير المحتمل هو كون كل هذا يبدو نظرياً، قابلاً للتجاوز، ''نموت عطشاً على بعد خطوتين من الينبوع''. إن حضارة كهذه ليست جديرة في متابعة طريقها ولا تستحق الوجود. ''أنا لا أتفق إطلاقا مع الذين يصرون، على أن النوع البشري يجب في أي حال، أن يستمر مهما كانت الظروف''.
يكمل أنطونيني: ثمة فكرة تغريني: أنا أعلم أن مجتمع الحقد صائر، بأية حال، إلى زوال، إما عن طريق التحول وإما بتدمير ذاته، وهذا ما يخفف عني كل الحقد، الذي اضطر أن أعاني منه يومياً، ويومياً أضطر إلى مراكمته.