3-04-2026
كان التعليم في المدارس في سورية، أشبه بمعتقلات، سواء في التصميم المعماري أو التعليمات الانضباطية أو في الانتساب إلى ما كان يسمى '' طلائع البعث'' ونشاطاتها الحزبية داخل المدارس، إلى جانب وجود ''رفيق'' حزبي مهمته مادة التربية العسكرية، ولك أن تتخيل من اسم المادة ما تعنيه! إبان الثورة وسنوات القتال، تدهور التعليم أكثر، منهجاً ونظاماً، قصفت المدارس، وتشرد الأطفال، وحرموا من التعليم، وتعرضوا للخطف، والتعذيب، والتجنيد، وحُمّلوا مسؤوليات أسرهم في سن مبكرة.
هذا التشوه الأخلاقي والجمالي والتربوي الذي عاشه جيل كامل، مزق طفولته، وأثر في نفسيته تأثيراً يبدو أن علاجه سوف يحتاج وقتاً طويلاً.
كمعلمة، أشعر أن بين يدي جِراح غير مرئية ممزوجة بخوف متراكم. إنهم أطفال تعلموا أن العالم مكان بارد وقاس، قبل أن يتعلموا جدول الضرب.
حين أدخل إلى صفي كل صباح، وخلف الأبواب الخشبية المهترئة في صفوف غير مجهزة، لا أشعر أنني أدخل غرفة مليئة بالأطفال، بل برجال على هيئة أطفال. صاخبون وعنيدون جداً، وكثير منهم خاض تجارب لا تناسب عمره. ردود أفعالهم وغضبهم الذي يشتعل بلا مقدمات، يبيّن أنهم كبروا قبل أوانهم. وسرعة الغضب هو أكثر ما يلفت انتباهي ويشغل تفكيري اليوم، فأشهد نشوب مشاجرات لأسباب صغيرة جداً، و ''سخيفة'' أحياناً، على قلم، مقعد أو كلمة عابرة.
أُدرك أننا لا نعلّم طلاباً، بل نعلّم "رجالاً ونساءً صغاراً" سُرقت منهم رفاهية الخطأ والتعلم، فأصبحوا صلبين، خشنين، وعنيفين في دفاعهم وردود أفعالهم.
ذات مرة، حدث عراك بين طالبين بسبب "ممحاة". كان الغضب في عيونهما يتجاوز حجم الموقف بآلاف المرات. أحدهما صرخ: "يسترجي حدا يقرب على شي بيخصني لأدبحو!''. فهمت فيما بعد، أن سعيد ''٩سنوات'' خسر منزله، وألعابه، وأمانه خلال سنوات الحرب، فكانت الممحاة رمزاً بالنسبة له ورمز لما يملك ولا يريد خسارته.
ألاحظ خلال الفرص، أن ''اللعب'' في باحات المدرسة سرعان ما يتحول إلى ''قتال''. الأطفال يميلون لمحاكاة ما شهدوه، ويحاولون التقليد وإثبات أنهم ليسوا ضعفاء. هذا طبيعي في مثل أعمارهم، ولكن الذي اختلف هو ارتفاع شدة ما يمارسونه، بدنيا ولفظياً.
على سبيل المثال، نشب خلاف بين الطلاب بسبب دور في الطابور. وخلال ثوانٍ، فقط، تحول النقاش إلى صراخ وتدافع مؤذٍ. عندما حاولت تهدئتهم، قال أحدهم: "ما حدا بيأخذ دوري وإلا ناديت فزعتي".
وفي إحدى الحصص، طلبت من الطلاب كتابة جملة عن المستقبل. كتب أحدهم: "أريد أن أصبح شخصاً لا يخاف." فانتهبت أنه لم يكتب مهنة! بل وصف مشاعره. وهذا بحد ذاته يكشف الكثير.
أيضاً، أتذكر طفلاً كان يسخر دائماً من زملائه الأهدأ منه ويتنمر عليهم بشدة. بعد جلسة طويلة معه، اكتشفت أنه فقد منزله ونزح من بيته، ونجا من الموت عدة مرات. فكانت، ردة الفعل تلك، بمثابة محاولة ليثبت لنفسه قبل الآخرين أنه ليس هشاً.
أرى العنف يسكن في نظرات الطالب "وليد، ١٠ سنوات" الحادة تجاه أي شيء لا يرضيه، وهي تخيف زملاءه، لفت نظري عندما كان يرسم سياجاً شائكاً ضخماً، وكان يضغط بشدة هائلة على القلم، لدرجة أن الورقة تمزقت والقلم كُسر. عندما سألته بهدوء عما يفعله، احمر وجهه وصرخ قائلاً بطريقة لم تكن تليق بطفولته: "ما عاد بدي ياخذو حدا غير أبي".
وليد ليس طفلاً "مشاكساً" كما يصفه البعض، هو طفل جعل من العنف وسيلته الدفاعية. بالنسبة له، العالم ليس مكاناً آمناً، والهجوم هو وسيلة لحماية نفسه.
أسأل نفسي دائماً: كيف نرمم ما حطمته السنين؟
نحن لا نُدرّس المناهج فقط، بل نحاول إعادة بناء الثقة: الثقة بالآخرين، وبأنفسهم، وبالغد.
التحدي الحقيقي اليوم ليس في إيصال المعلومة، بل في إعادة الإحساس بالأمان. وأصبحت أؤمن بمقولة في علم النفس تقول: ''الطفل الذي يغضب بسرعة، قد يكون خائفاً. والذي يصمت طويلاً، قد يكون مثقلاً. والذي يقسو على غيره، قد يكون يحاول حماية نفسه''.