إبداع هوية لا تغير الآخر

 

نعمة ققدان حسن 

29-01-2026

 

تم شرحها في هذا المقال فهم مراحل متعددة الهوية والانتماء، وبحث إمكانية إبداع هوية لا تقوم بإلغاء تفعيل الآخر، وتحقق أفضل شكل للوجود التكنولوجي.

وتخفيف الغموض والتباس المتراكمين حول مفهوم سنويه أن نسلط الضوء على ثلاثة مفاهيم رئيسية لتعريف جواز السفر، ومحاولة ربطها بخطوط عابرة للمكان والزمان:

مفهوم القلق الوجودي — كما نشأ الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغارد في كتابه (مفهوم القلق - 1844)، حيث يرى كيركغارد أنه نشأ مع جوجل عن الإنسان في أول حرية الاختيار بين طاعة أمر الإله أو عصيانه، ما أسس بشكل أو بآخر هوية عبر الزمن متنازعة بين محدودة لحظية ولا نهائية الاختيارات.

الوصول إلى دراسة مختلفة لمفهوم الهوية والظروف المتنوعة من منظور اجتماعي، كما يشرحها الكاتب اللبناني الفرنسي أمين معلوف في كتابه (الهويات الإبادة - 1998).

وتتاماً سنبحث مع الفيلسوف الألماني إيريك فروم عن غاية الوجود الجوهري وإمكانية فتح نافذة على التعاطف والقبول في كتابه (فن الوجود - 1958).

أعتقد أنني بدأت بما يخص الهوية في زمننا الحالي، وإذا ما توصلنا إلى اختلافنا إلى مستويات، فإن المستوى الذي يمكسننا من الحديث عن تنوع وتنوع في الهويات والثقافات وإعلان الانتماء دون المزارعين، يوازي هناك ما هو غير قابل للالتقاء، المستوى الذي يرتبط فيه الهوية بخوف متأصل ومتراكم نتيجة فارت، ما يدفع إلى التنكر لها بشكل غير واعي بحجة اللان في هوية عامة.

إذا استفضنا بالحديث عن هذا الموضوع المشترك نصل، وبما لا يجانب الشك، إلى القدرة على خلق بيئة متنوعة ومنسجمة تصبح معدومة، لا بسبب لاناريق أو مشرق الأمل، بل بسبب الخوف وانعدام الأمان الذين نحتاج لتجاوزهم هوية يبنى عليها التنوع، كما سنرى مع أمين معلوف في فقرة لاحقة من المقال.

 

متى بدأ التفكير بالهوية؟

 

إذا انطلقنا من مفهوم القلق الوجودي عند كيركغارد، وبالعودة إلى بداية رحلة الإنسان الوجودية وشرارة وعيه الأولى بإمكانية الاختيار، وإذا أخذنا في الاعتبار أن هذه اللحظة تأخذ اختلاف الهوية؛ تلك اللحظة المتنازعة بين مسؤولية الوجود في العالم كإنسان ورعب من جراء اللانهائية لهذا الوجود.

هذه الشرارة كما يقول كيركغارد هي التي أشعلت لدينا جذوة القلق والخوف من المجهول.

أمام هذا الوجود الوجودي يجب أن نسأل النجم: لماذا نختار أكثر من وسيلة للانغلاق، وهو يعتمد على النجم ويرفض الآخر؟ هل تضع المشكلة في الخيارات المتاحة؟

ولكن إن كانت المشكلة تكمن في الخيارات فهذا بحد ذاته غير مقبول، باعتبار أن هذه الخيارات هي الآخر أو الآخرين، والذي من المفترض أن نسعى طوعاً لتقبلهم، أعتقد في حالتنا السورية أن المشكلة في أساسها تكمن في الرعب من وجود اختيارات، أي وجود آخر مختلف عنّا، وهو ما لم نتجاوزه بعد، للأسف.

أعتقد أن أغلبنا يرفض هذا القلق على غير إرادة منا، بل ذلك ما يفرضه علينا واقعنا (فرض رفض القلق).

في حين يذهب كيركغارد الى أبعد من ذلك بكثير حيث يرى في هذا القلق "ميداناً واسعاً لاكتشاف القدرة على الإبداع"، ويدعونا إلى قبول هذا القلق كجزء جوهري من وجودنا كبشر؛ حيث يقودنا هذا القبول إلى الإيمان، أو بمعنى آخر، إلى الخلاص. وهنا يقصد بالإيمان كدرجة من التطوّر الرّوحي المرتبطة بقرار ووعي ذاتي أساسه ذلك القلق نفسه.

حيث يجب أن يترافق هذا القلق مع مسؤولية الاختيار بحرية، حتى يصل الإنسان إلى المعنى الأسمى لوجوده، وبعكس ذلك سيتحول نحو اليأس. بالتالي فمن يستطيع أن يواجه قلقه بشجاعة قد يصل إلى إيمان عميق، وذلك ما عبر عنه كيركغارد بمصطلح "القفزة الإيمانية".

 

هل نحن فعلاً ما نحن عليه؟

 

إذا حملنا فكرة الخلاص عبر الإيمان عند كيركغارد وتأملنا دورها في تشكيل الهوية، نجد من الضروري البحث أكثر في هذه المسألة ودور الفرد في البحث عن هويته وانتمائه، وما يواجهه من عراقيل على المسافة نحو الآخر، تلك المسافة التي عليه أن يرسمها بخطواته.

حيث كلمة الهوية كما يشرحها أمين معلوف في كتابه "الهويات القاتلة" هي من أكثر الكلمات تضليلاً بالنسبة له، فهي تحصر مفهوماً واسعاً غير قابل للتحديد، حيث يقول:

"نحن جميعا نعتقد أننا ندرك دلالة كلمة هوية ونستمر في الوثوق بها، وإن راحت، فهي تعني نقيضها بصورة خبيثة."

يقصد معلوف هنا أن الهوية ليست كمّاً ثابتاً يمكننا امتلاكه أو فقدانه، بحيث لو كانت الهوية كذلك لكان امتلاكها يعني بالضرورة الرفض التام للآخر، أو أن فقدانها يقودنا إلى انعدام الهوية.

لكن الهوية يجب أن نعرفها على أنها ممارسة حرة ومستمرة تقوم على الاختيار الدائم وغير المنقاد، اي أنها مجموعة من الهويات نقوم ببنائها بأنفسنا، وبهذه الطريقة تصبح قادرة على قبول الآخر والاندماج مع أي تنوع، لأنها بذاتها متنوعة، وغير مفروضة، وغير رافضة للآخر.

يرى معلوف أن هوياتنا علينا أن نبنيها عن دراية تامة بكل لبنة فيها، وليس حصرها بما يمكن أن يعتبر مجرد حجر أساس، فما يعتبره معلوف أمراً بالغ الخطورة هو نمط التفكير الاقصائي هذا، والذي للأسف يعتبر هو السائد في واقعنا السوري، الذي يعرّف الهوية بمجرد ذكر المرء لأحد انتماءاته، كقوله "أنا عربي، أو كردي أو ديني أو علماني، في حين أن أي شخص يستعرض انتماءاته المختلفة ليعبر عن هويته يتّهم على الفور بذوبان هويته ونكران أصله.

إن الهوية برأي معلوف لا تتخذ شكلاً ثابتا، بل تتحول وتتغير باستمرار بحيث يطفو أحد أشكالها في أوقات وظروف معينة على أشكال الانتماءات الأخرى، تلك الانتماءات المؤسسة للشخصية، والتي يسميها معلوف "جينات الروح"، والتي تتفاوت أهميتها طبعاً، غير أن لا انتماء منها يفتقر إلى الأهمية.

ويخلص معلوف إلى التعبير:

"الهوية ليست سلسلة من الانتماءات المستقلة، وليست رقعاً، بل رسماً على نسيج مشدود."

وبالعودة إلى ذلك البناء المتكامل، فإننا غير قادرين على بنائه في حال عدم القدرة على المجاهرة بإحدى لبناته بشكل أساسي، ففي مجتمع يسوده الجهل، ليس بوسع هوية جماعية أن تتشكل. ٠

فبين الخوف من ذكر الانتماء نتيجة تهديد أو تجهيل متعمد، وبين اعتداد مفرط ناتج أيضاً ع ذلك الخوف، تضيع الهوية الفردية، ما يجعل من شبه المستحيل تشكيل هوية جماعية على أساس هذا الانتماء الفردي أو ذاك، إلا إذا فرضت بالعنف ولخدمة سياسات معينة.

في هذه الحالة، وعند السعي إلى تشكيل هوية الفرد الذي لم يحصل على أبسط حقوقه، والمتمثل بالمجاهرة بحرية بهوية تحقق له انتماءً معينا، لن يبق أمامه سوى احتمالين:

إما تمسك قوي واعتزاز يجاهر به بخصوصية هذا الانتماء، ناتج عن ردة فعل وخوف من الإقصاء.

أو تشكل حالة ضبابية من عدم الانتماء، ناتجة أيضاً عن ردة فعل تجاه الحدية في تناول مثل هذه الموضوعات، وفي كلتا الحالتين يفضي بنا الأمر إلى هوية ضائعة غير جاهزة للانفتاح على الآخر.

يقول معلوف:

" غالبا ما ينزع المرء إلى التّماهي مع أكثر انتماءاته تعرضاً للتجريح، وحين لا يقوى على الدفاع عن نفسه أحياناً، يخفي هذا الانتماء الذي يبقى متوارياً في أعماقه، قابعاً في الظل ينتظر ساعة الانتقام. وسواء تحفظ عن إعلانه أم جاهر به، فهو يتماهى معه، وعندها يسيطر هذا الانتماء على الهوية بكاملها، ويصبح تأكيد الهوية فعلاً شجاعاً وعملاً تحريرياً.."

نحن، بشكل طبيعي، في حالة الانتماء للإنسانية نساند بعضنا كبشر قبل معرفة اختلافاتنا، ولكن في جو من تكريس الانقسام، يُعتبَر من الصّعوبة التطرّق إلى أي نوع من أنواع الانتماءات وتناوله بخصوصية، ليس خوفاً من الآخر، بل لأنه وبالضرورة، هذه الهوية الخاصة لم يتح لها أن تتّخذ شكلها الحقيقي الرّاسخ الذي يبنى عليه ومعه أي انفتاح على الآخر.

 

أعتقد اننا في واقعنا السوري، وكما يقول معلوف: " ننساق وراء السهولة ونصنف البشر بكافة اختلافاتهم في الخانة نفسها، وننسب إليهم من باب السهولة جرائم وأفعالا جماعية وآراء مشتركة "

"الجماعة الفلانية اقترفوا المجازر...،" "الجماعة الأخرى أضرموا النيران...،" " تلك الجماعة ترفض...،" لينتهي الأمر أحياناً وكما يؤكد معلوف ب "سفك الدماء."

يتابع معلوف:

"إن كان البشر في بلادنا ومن كل الطبقات و كافة الانتماءات يتحولون بسهولة فائقة إلى قتلة، و إذا كان المتطرفون من كل المذاهب ينجحون بسهولة في فرض أنفسهم كمدافعين عن الهوية، فذلك  برأيي لأن  "المفهوم القبلي" للهوية الذي لا يزال غالباً في واقعنا يشجع هذا التدهور، وهو مفهوم متوارث عن النزاعات الماضية، يرفضه الكثيرون منا لو نظروا إليه عن كثب، و لكننا لا نزال نعتنقه بحكم العادة، أو بسبب افتقارنا إلى الخيال، او إذعاناً منا للأمر الواقع مسهمين بذلك عن قصد أو عن غير قصد في المآسي التي سوف تحرك في أعماقنا غداة وقوعها مشاعر صادقة من الأسى و التأثر."

 

كيف نرسم الطريق باتجاه الآخر؟

 

بعد عناء البحث عن إجابات لتساؤلات الهوية، وإدراك أهمية تنوعها لدى الفرد، يبدو من المجدي الانتقال إلى التساؤل الأكبر الذي يمليه المحيط على هذا الفرد، وهو معنى الوجود الحقيقي.

وكنظرة مستشرفه للمستقبل، يوفرها لنا الغوص في كتاب إيريك فروم «فن الوجود»، لربما تضعنا هذه النظرة قليلاً في قلب ما نسعى لتحقيقه، وتساعدنا على إخراجه من إطار الأحلام، وهو الهوية المنشودة.

إن هذه النظرة تمكننا من تخيّل ما يمكننا الوصول إليه أثناء سعينا في تشكيل هويتنا، وتذكّرنا دائما بقبول الآخر كإضافة أساسية للهوية الفردية بشكلها الصحي والأمثل.

لعلّ هذه النظرة تساعدنا، عند العودة إلى واقعنا، بتجاوز رغباتنا التي لن يحقق إشباعها أكثر من وجود فردي بسعادة وهمية.

يتساءل ايريك فروم في كتابه «فن الوجود»:

"النموذج البديل"

"كيف نرغب في طلب التخصصات؟"

"ما الذي يجعل الحياة ذات معنى؟"

ما نجتمع عليه إذن البشر، برأي فروم، هو أن ما نبتغيه من الحياة هي السعادة، أي نحن سعداء بالقدر الذي يحقق رغباتنا"، ولكن "ما هي رغباتنا التي تعني تحقيقها لنا السعادة؟"

يظهر لنا فروم في كتابه مواقفين متعارضين:

الأول: أن الحاجة تحدد ذاتيًا، بمعنى أن إشاعتها تولد ذكرى،

وهذه الحالة ترى أنها لا حاجة للسؤال عن الحاجة الأصلية، فيما إذا كانت تلبيتها تحقق التطور الحضاري الشامل:

"أنا سعيد لأنها حصلت على كل المتعة التي تريدها".

الثاني: أصولنا الطبيعية إلى البحث عن هذه الحاجة الأصلية: هل تفضي إلى الحضارة الإنسانية وسعادته، أم أنها تعرفه وتؤذيه؟

وكما يحب فروم أن يسيء:

"أنا سعيد فقط إذا حصلت على ما يجب أن أفعله، بالإضافة إلى أولئك الذين يقومون بإحراز القدر الأكبر من التخصص الشخصي."

إن ذلك القدر سيصل إلى الكمال هو، ربما، ما سعينا إليه كيركغارد بعد اكتشافه لمفهوم القلق العظيم الذي فكر فيه بداية الطريق.

وهو ما يسعى معلوف إلى البحث في الدّواعي والأسباب التي تغيرت دون تحقيقها، بالتأكيد على عدم وصولها إلى الغناء مع البعض الآخر من رفضه.

كي يكون شخص ما، برأيي فروم، يحتاج إلى:

"تجاوز الانفصال الا الاطراف والملكية إلى نزع الاتصال، وتجاوز الاتصال الجنسي الزوجين".

ولطالما بحثنا عن إيجاد حلول لهذه الضيوف، وقدرتنا الحالية على إيجاد الحلول، يرى إيريك فروم أننا قادرون بالفعل، بل ومُجبرون في سبيل تحقيق غايتنا في السعادة، أن نبحث في السبل التي يمكننا إبداعها لتحقيق معنى.

العملية من:

"... أصل إلى مبادئ العيش الإنساني، حيث جوهر هذه البديهيات هو التعرف على الجشع والأوهام والكراهية، أدرك الحب والتعاطف، ولأنها هي الظروف الموائمة للوجود."

وتشهد أنه لتحقيق غايتنا في السعادة علينا أن نعود الجماعية إلى حق الفرد في تشكيل هويته، والتي يجب أن تكون مبتكراً بها، والتي تؤمن له تواصل أفضل مع الآخر، ولا يموت ما علينا نقبله، وهو أن يعود هذه الصورة هو قلقنا المبرّر، الذي يواصلنا بفنائنا المحتوم ليحررنا على الإبداع، في كل زمان ومكان.

لذلك وجدنا في مجزات ثلاثة كتابات من صور ومدارس مختلفة، يكاد يفصل بين أقدمها وأحدثها ما يفوق قرناً من الزمن، ليس فقط ما هو مشترك بينهم، بل ما قادنا إلى البحث في أعماق واحد منا الرباعية تلك الهويّات الضائعة التي بحثت عنها كلٌّ منهم.

 

م:

جدلية الحرية الإيمان في فلسفة سورين كيركغارد، د. حمدي سيد محمد محمود.

كتاب الهويات القاتلة، أمين معلوف، كتاب فن الوجود، إيريك فروم.