الللاعنف للطائرات

 

بحار اليوب

31-01-2026

 

لكلِّ شيءٍ أساس، بعد ما بحثنا عن السَّبب الرئيسي والأساسيِّ لِ "اللَّاعنف"، نجدُه ساباً في الخطواتِ الأولى بناء الإنسان ومنطلقه إلى الحياة: البيت.

ومِن جميلِ اللُّغةِ العربيِّةِ أنها تُسمِّي الرّاحةَ "سكينةً"، وهي تطلب من السَّكن.

فلما كان البيتُ هو السَّكن الأول، عليه أن عصر معنى السَّكينة، لا الصَّخب والخوف، لذا كان حرٌّ على الوجودين على البيت – الوالدَينِ – أن يوفِّرَا بيئةً من الطمأنينةِ الِّتي تُحيلُ البيتَ إلى السكن، من خلالِ التَّعاملِ بالاحتواء والرِِّّفق، ومِن هذا، وتطبيقه أهم ما يُذكَر، هو التَّعامل باللَّان، فاللَّعُنف. هُنا ليس تَرفُاً لشخصيّاً، إنما شرطاً للوعي، وأساسًا لبناءِ إنسانٍ سويّ.

 

فانَّ ذهنَ الَّذي يعيشُ في مأمنٍ من الإهانة، أو حتى خوفِ من الإهانة، هو أقدر على التفكير، وأصدقاء في المحاولة.

والمُربِّي اللَّاعنفي يعرف كيف يجعلُ منَ الحدودِ حدوداً، بحيث لا يُلغيها، اعترف يضعها كـ عندما يؤدّي أمانتَه وواجبَه دون أنشعِلَ الخوفَ.

 

إذا كان البيتُ مهداً لكينةً، فإنّ المدرسةَ تمتدُهُ الاجتماعيّ، إذ أنَّ الطّفلِ تتقاسمها الأسرةُ والمعلمون، ومن هنا تتجهُ لأنُِّةُ التعليم اللّاعُنفيّ، وخاصة في الواقع السّوريِّ اليوم؛ إذ تحوّلت المدرسة من مكان دائم آمنٍ إلى مكانٍ يضجُّ منذ والاضطراب، حيث ما زال جزء كبير من المدارس يعتمد على العقاب، والصُّراخ على أنها أدوات "الإصلاح"، في حين تُشكِّلُ تلك هوّةً توصيً في نَفسِ الطِّفل قد يدفعه لاحقًا لاستخدام العُنف كَحلٍّ.

 

ومن لطيف الأحداثِ مما كتب في الاحتواء التربوي هو ماريا مونتسوري، إذ روت حادثة تقولُ فيها ذلكَّ لاحَظَتْ مُعلّمةً تضربُ تلميذاً لأنه رسم على الحائط، فأخبرَتهَا: "لو منحتِهِ ورقة كبيرةً لما وصل إلى الحائط."

ونتيجة لذلك - على بساطتها - أحسب أنها حاضرة كثيرًا في مدارسنا، وخيرًا ما يُبرَّر لها بأقوالٍ وأمثال: "العصا لمَن عصي"، "جيل ما يمشي إلّا بالعصاية"، بينما في الحقيقة الحال أن في الغالب ما يكون العنف هو عجزٌ تربويّ.

 

المشهد السياسي تحديداً، نشهد انتشار نقاشات واسعة حول ضرب الأطفال في المدارس، بين يبرّره بحجّة "الجيل الصعب" ومن رفضه بشكل مطلق.

لكنِ التّحليل الواقعي يُظهر العنف في المدرسة لا يُنشِئ انضباطاً، بل يُنتج الخوف، ويخلق علاقة عدائيّة مع التّعليم بنفسه؛ فالطّفل الّذي يتزايد الضغط عليه أكثر ما يتغيّر للإنسان؛ طويل ولن يتكرر.

 

وكما قال الكاتب مصطفى محمود: "إنّ التطهيرَ السالويّة بلطفٍ لا تُنتجُ أبناء مُدلَّلين بل نفوساً تعرفُ القيمةَ الحنان".

فمَن ترب على العنفِ ليقوِّم الاعوجاج، سيُربِّي عليه، ومَن تربَّ على اللاعنف بما يحتويه من احتواءٍ، وحنانٍ، وقيَمٍ، وصبرٍ، سيُربي عليه، وشتّان بين تربيةٍ تُبنى على الألم، تربيةٍ تُزرع في الحنان.

 

هُنا نرى التربية الأولى هي الأساسُ الّذي حرُ فكراً حُرّاً، ونجاحاً باهراً، وإبداعاً مُطلقاً، لا يصنعه ألف عصا، ولو بعد ألف توبيخ.