30-03-2026
يُسلط نشر ملفات ''جيفري إبستين'' الضوء على تعقيد وتأثير الاعتداء والاستغلال الجنسيين. إذ كانت طبيعة وحجم الاعتداءات والسلوكيات العنيفة التي تُفصّلها الملفات، صادمة. فيما أثارت أسماء ومكانة الشخصيات التي ورد اسمها في هذه الملفات، مخاوف العالم، ودفعتهم للتساؤل: هل العنف الجنسي والاعتداء على الأطفال هما ما جعل عالم ومفكر وأمير عربي وآخر غربي ورئيس ووزير وتاجر يجتمعون حول طقوس الجنس والدم؟ هل هم مضطربون أم واعون لما يفعلون؟ هل هي السلطة والنفوذ من يقف خلف هذا كله أم المصالح؟ وماذا عن الجانب النفسي لكل ذلك، ماذا يقول؟
هذه الملفات وتلك المخاوف، نبهت إلى ضرورة فهم ودراسة مثل هذه القضايا، دراسة جدية ومعمقة، بعيداً عن الحالة الشعبوية التي رافقت نشرها.
بداية، يمكن القول إن الاعتداء والاستغلال الجنسيين، يشكلان طيفاً واسعاً من الجرائم والسلوكيات التي تؤثر على النساء والأطفال، ويزداد الأمر تعقيداً نظراً لاختلاف هذه الجرائم من بلد لآخر، وصعوبة اكتشافها ومقاضاة مرتكبيها عبر الحدود.
ولذا، يبقى الحجم الحقيقي للاعتداء الجنسي مجهولاً بسبب نقص الإبلاغ وعدم اتساق المصطلحات المستخدمة بين المنظمات، والمنظمات الحكومية المختلفة، والدول. ولكن تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن واحدة من كل ثلاث نساء وفتيات (736 مليوناً) قد تعرضت للعنف الجسدي و/أو الجنسي، غالباً على يد شركاء حميمين. وتبلّغ 6% من النساء على مستوى العالم عن تعرضهن للعنف الجنسي من غير الشركاء، كما تعرضت 15 مليون فتاة مراهقة تتراوح أعمارهن بين 15 و19 عاماً للاغتصاب وأبلغن عنه.
تندرج كل هذه الجوانب ضمن تاريخ طويل من أشكال إساءة معاملة النساء من قبل رجال نافذين، إساءة تتحكم بأجساد النساء. فلا عجب إذن أن تُظهر الأبحاث حول انتشار الاضطرابات النفسية في الولايات المتحدة، مثلاً، باستمرار معدلات أعلى لدى النساء مقارنةً بالرجال. وباستثناء التورط في الحروب، تُسجل النساء معدلات أعلى بشكل خاص من اضطرابات ما بعد الصدمة مقارنةً بالرجال.
ولا يزال واقع انتشار الاعتداء الجنسي على الأطفال غير واضح، لكن تقديرات اليونيسف تشير إلى أن طفلًا واحداً من بين كل ثمانية أطفال على مستوى العالم (12.7%) يتعرض للاعتداء الجنسي قبل بلوغه سن 18 عاماً. وفي إنكلترا مثلاً، يتعرض طفل واحد من بين كل عشرة أطفال للاعتداء الجنسي قبل بلوغه سن 16 عاماً، مع أن هذه النسبة يُرجح أن تكون أقل من الواقع.
وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن انتشار العنف القائم على النوع الاجتماعي عبر الإنترنت يتراوح بين 16% و58%، مع كون فيسبوك المنصة الأكثر شيوعاً لحدوثه. لذا من الواضح أن هناك مشكلة متفشية.
في قضية إبستين، يُستخدم مصطلحا الاعتداء الجنسي على الأطفال والاستغلال الجنسي للأطفال بشكل متكرر. من المهم توضيح هذه المصطلحات، نظراً لتضاربها وعدم فهمها بنفس الطريقة في الخطابات العامة.
يُعرَّف الاعتداء الجنسي على الأطفال بأنه ''استغلال طفل لإشباع رغبات جنسية لشخص آخر، دون أي إمكانية لموافقته الحقيقية''. أما الاستغلال الجنسي للأطفال، ''فيشمل أيضاً الأذى الجنسي، ولكنه يتضمن تبادلاً (أي أن شخصاً ما يُقدِّم أو يُعطي شيئاً ذا قيمة، أو أن الطفل يحصل على شيء مقابل ذلك). كلا الأمرين ضار ومؤذٍ للطفل، ولكن في كثير من الأحيان، يُنظر إلى الطفل في حالات الاستغلال الجنسي للأطفال على أنه شريك راغب لأنه يستفيد بطريقة أو بأخرى''. وبالتالي، تتولد ثقافة لوم حول هذه القضية، مما يؤدي إلى نقص الدعم. إن مفهوم "الاستفادة" هنا مضلل، إذ يتم استدراجهم واستغلالهم.
من المهم فهم أنه في قضية إبستين، كان كلا الأمرين يحدثان، فقد كان يعتدي جنسياً على الأطفال بشكل مباشر، ومن خلال الاستغلال كان يُسهِّل الاعتداء عليهم، وكذلك على النساء البالغات.
كثيراً ما يُشار إلى إبستين في الصحافة والخطابات العامة بوصفه مُتحرشاً بالأطفال. كما يُستخدم مصطلح "بيدوفيليا" في الخطابات الاجتماعية والسياسية والإعلامية المعاصرة للحديث عن جميع أشكال الاعتداء الجنسي على الأطفال، وهو أمر إشكالي. إذ تشير المعاجم الطبية إلى أن ''البيدوفيليا هي نوع من أنواع الانحراف الجنسي، وهي انجذاب جنسي لشيء ليس جنسياً بطبيعته''. البيدوفيليا مصطلح طبي، وليس مصطلحاً قانونياً أو تصنيفاً جنائياً، ويشير إلى شخص ينجذب جنسياً إلى الأطفال قبل سن البلوغ. في الإرشادات الطبية، يُقصد بها الأطفال دون سن الحادية عشرة.
استناداً إلى الأدلة الناشئة من الملفات التي تم الكشف عنها ومن الدعاوى القضائية السابقة، يبدو أن ضحايا إبستين ''المفضلين'' كانوا في بداية أو منتصف سن البلوغ، أي بين الحادية عشرة والخامسة عشرة. هذا يعني أنه كان من المرجح أن يُشخص بأنه "هيبوفيلي Hebephile"، ''أي شخص ينجذب جنسياً إلى الأطفال في بداية سن البلوغ''. لذلك، فإن المصطلحات المستخدمة قد تكون غير دقيقة وغير مفيدة في مساعدة المجتمع على فهم جرائمه وسلوكه. تشير الأدلة المتزايدة إلى أن جرائمه كانت مدفوعة بالسلطة والسيطرة، لا بالانحرافات الجنسية.
إضافةً إلى ذلك، قد يظن البعض خطأً أن كل من له صلة بـ ''إبستين'' كان متحرشاً بالأطفال أو العكس، متعاطفاً معهم. وهذا غير مفيد على مستويات عديدة، ولا سيما لضحاياه البالغين، وخاصةً ضحاياه الذين تعرضوا للاستغلال.
مع نشر المزيد من الملفات وكشف المزيد من تفاصيل العمليات، يمكننا معرفة المزيد عما فعله إبستين وكيف سهّل الاستغلال والإساءة. أظهرت السجلات والصور ورسائل البريد الإلكتروني والوثائق الجزئية التي تم الاحتفاظ بها أن سلوكه كان منظماً ومُدبّراً. وهذا يدل على وجود نية مسبقة، ولكنه يُظهر أيضاً انعدام الثقة والحاجة إلى أدلة لصالحه في حال انقلب عليه أحد زملائه.
إن فهم استمرار جرائمه يكمن في فهم الأشخاص الذين كان على صلة بهم - أشخاص ذوو نفوذ وسلطة. ومع ذلك، فإن مجرد الصلة قد لا تعني بالضرورة المعرفة أو التواطؤ.
استمر استغلال إبستين وإساءة معاملته لعقود بسبب التداعيات الاجتماعية والسياسية المترتبة على ربط أي من شركائه به. وتُقدم سياقات الملفات والرسائل الإلكترونية والصور رواياتٍ عن مجموعة من الأنشطة التي تُثير تساؤلات حول صلات الناس وتفاعلاتهم مع إبستين. كما تُثير هذه الملفات تساؤلات في المشهد الاجتماعي والسياسي حول علاقاته بالأفراد، وهي علاقات يصعب إثباتها، لكنها ذاتية بما يكفي لإثارة تكهنات ما.
وقد ساهم ذلك في زيادة ثروته ونفوذه، ما جعله يشعر بأنه فوق المساءلة، وشجعه على مواصلة الاستغلال. كما يعني ذلك أن المجتمع لن يُسائله. وعندما يقترن هذا بحقيقة أننا لا نتحدث عن الاعتداء الجنسي، ولا نصدق الضحايا، وأن الكثير من الانتهاكات تم تسهيلها من خلال الاستغلال، فقد شكّل ذلك وضعاً بالغ الخطورة. ويبدو أن المجتمع، أفراداً وجماعات، قد غض الطرف.
الدرس الرئيسي المستفاد من قضية إبستين بسيط، وهو أننا كمجتمع بحاجة إلى مزيد من التوعية والنقاش والتصدي للاعتداء الجنسي على الأطفال واستغلالهم. علينا أن نفهم طبيعة هذه الظاهرة ومدى انتشارها لنتمكن من التصدي لها بثقة، ووقفها، ودعم الضحايا.
وهذا ما يجب أن يتحقق من خلال إطار عمل يجمع بين الصحة العامة وعلم الجريمة. يتيح لنا هذا النهج فهم الاعتداء الجنسي على الأطفال واستغلالهم من زوايا متعددة. فمن خلاله، نركز على الأسباب الداخلية (البيولوجية والنفسية الفردية/النمائية) والخارجية (النفسية الاجتماعية) للاعتداء، وذلك للوقاية من وقوعه لأول مرة (الوقاية الأولية والثانوية) ومن تكراره (الوقاية الثالثية والرابعة) عبر النموذج الاجتماعي-البيئي (الفردي، والشخصي، والمجتمعي).