29-04-2026
يعتقد كثيرون أن الاستراتيجيات اللاعنفية هي استسلام أمام الأمر الواقع، والحال أن هذا سوء فهم لثقافة اللاعنف، إذ يمكننا أن نجادل بأن اللا عنف أيضاً مقاومة، ولكن بطرق أخرى، وثمة على مستوى العالم حركات لاعنفية تدحض هذه النظرة، فلننظر على سبيل المثال إلى ما فعله غاندي وثقافة اللا عنف التي دافع عنها بكل قوته.
لا يقتصر الأمر على حركات لاعنفية خارج سوريا، فالتاريخ السوري عرف أيضاً حركات لاعنفية لم تأخذ حقها في البحث، إذ نشأ في سوريا ما قبل الاستقلال حزب سياسي لم يكتب له الاستمرار، بل بقي مهملاً في التأريخ للحياة السياسية في سوريا، وللمفارقة اسم الحزب هو "حزب الله"، الذي أسسه الضابط الحلبي المتقاعد بشير كمال، والجدير بالذكر أن هذا الحزب لا يمت بصلة لحزب الله اللبناني، فصاحبه متأثر بعراب ثقافة اللاعنف غاندي، وكان ينادي بمقاومة الاستعمار الفرنسي بطرق لاعنفية، إلا أن بشير كمال توفي باكراً في بداية الخمسينيات و حتى في حياته لم يحظى بفرصة كافية للعمل في الحقل السياسي إذ لاقى خصوماً سياسيين كثر حالوا دون استمرار حزبه، بل أقصوه عن الحياة السياسية.
وهناك أيضاً حركة داريا اللاعنفية التي تأثرت بأفكار المفكر الشركسي الإسلامي جودت سعيد، والتي تأسست قبل انطلاق الثورة السورية، وكانت تهدف إلى مقاومة النظام الأسدي بطرق لاعنفية، لكنها أيضاً تعرضت لقمع وبطش شديدين، وتمت ملاحقة واعتقال عدد من أبنائها ناهيك عن قتل بعضهم.
للأسف الشديد لم يكتب لهذه الحركات أن تحقق جميع نتائجها المرجوة، فالعمل في الشأن السياسي الاجتماعي السوري محفوف بالمخاطر، وهي ليست مخاطر تتعلق بصعوبات سياسية روتينية كتلك التي يواجهها الفاعلون السياسيون في الدول الديموقراطية، بل هي مخاوف ومخاطر تصل إلى التهديد الوجودي المباشر بالقتل والاعتقال والتعذيب والنفي والتهجير، أي أن العمل في الشأن السوري قد يكون أصعب بمراحل من العمل في بلدان أخرى.
ولكن رغم كل التحديات ورغم كل الآمال الضائعة فإن ثقافة اللاعنف لا تموت، فهي كالبذرة التي تنتظر من يرويها على الدوام، وهي قادرة على تحقيق مكاسب وفاعلية على أرض الواقع ولكن ليس بالسرعة أو الحدود التي يتوقعها البعض.
الدفاع عن هذه الثقافة واستراتيجياتها في المقاومة ليس ترفاً وليس استسلاماً كما أشرنا، لكنه تمسّك بحق الناس أن تقاوم الظلم بطرق أخرى، غير الطرق العنفية، بغض النظر عن مدى الفاعلية المباشرة التي تحققها، فمن منظور ثقافة اللاعنف يمكن أن نعتبر انتشار الأفكار اللاعنفية في المجتمع نوعاً من الفاعلية، وهي فاعلية تحقق أثراً على المدى البعيد والمتوسط، خصوصاً إذا تحولت سوريا إلى فضاء ديموقراطي في يوم من الأيام.
لا يمكن إذاً أن نعتبر ثقافة اللاعنف هروباً من الشأن السوري، فهي ثقافة تقاوم عنف البنى السلطوية ولكن بطرقها الخاصة، ولا يضيرها أن تتعرض لحملات سوء الفهم والتشويه، فهي مقاومة طويلة الأمد ولا تهرب من الشأن السوري إلا إلى الشأن السوري.