30-03-2026
في عالمٍ مثقلٍ بالصراعات والاستبداد، يبدو العنف كأنه الحقيقة الثابتة التي تحكم العلاقات بين الناس، من أصغر دائرة في الأسرة إلى أوسع فضاء في الدولة.
لكن بناء مجتمعٍ إنسانيٍّ عادلٍ لا يتحقق بإسقاط أنظمةٍ أو تبديل أسماءٍ فقط، بل بالانتقال من ثقافة العنف إلى ثقافة اللاعنف، من سلوكٍ مفروض إلى وعيٍ جديد يغيّر نظرتنا لأنفسنا وللآخرين وللسلطة التي تنظّم حياتنا.
هذه السلسلة، “من العنف إلى اللاعنف”، ليست تنظيرًا سياسيًا أو وعظًا أخلاقيًا، بل دعوة إلى رحلة تحوّل داخلية وجماعية:
رحلة تبدأ من العلاقات التي تسودها السلطة، وتستكمل في نظرتنا إلى الآخر المختلف، لأن اللاعنف لا يتحقق بالشعارات، بل بتغيير جذري في بنية الوعي والعلاقات التي نعيشها كل يوم.
التحول في العلاقات التي تسود السلطة
في الوقت الذي تعلو فيه أصوات للتغيير والتخلص من الاستبداد والظلم، يبقى التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمعات هو كيفية الانتقال من العنف المترسخ في الحياة العامة إلى اللاعنف كمنهج تفكير وممارسة يومية. هذا الانتقال لا يتحقق فقط بتكرار الشعارات الرنانة العامة من الحرية والديمقراطية أو ترديد شعار اللاعنف، بل يتطلب بشكل جدي رحلة داخلية وجماعية نحو تغيير جذري في طريقة تعاطينا وسلوكنا، وفي شكل العلاقات التي تحكمنا، وفهمنا للسلطة ولأنفسنا، ودورنا كمواطنين وشركاء في أي منظومة متواجدين فيها مهما كان شكلها من عائلة، أو عمل، أو مدرسة، أو حزب.
غالباً نسعى إلى التغيير الظاهر الشكلي فقط للسلطة: تغيير الحاكم، الحزب، الزعيم، شيخ القبيلة، أو رب الأسرة المتسلّط. ويركّز الخطاب العام على المطالبة برحيل هؤلاء وتبديلهم. لكن هذا المسار، رغم ضرورته، لا يكفي وحده. فالتغيير الحقيقي لا يكمن فقط في تغيير الأشخاص والتسميات، بل في تفكيك النمط السلطوي القمعي الذي يحكم علاقتنا بالسلطة ذاتها.
الأحادية: حيث تصدر الحقيقة من الأعلى إلى الأسفل، من الحاكم إلى المحكوم، من "العالِم بكل شيء" إلى "الرعية" التي يُفترض بها الطاعة والخضوع فقط. هذا النمط من التفكير والممارسة لا يترك مجالًا للنقاش أو المشاركة الحقيقية، ويصوّر المجتمع ككائن عاجز قاصر لا يعرف مصلحته، وهو بحاجة دائما إلى وصي وإلى من يرشده إلى طريق الخلاص. ومن دون هذه السلطة، التي لا يوجد لها بديل حسب تسويقها، لن يستطيع الابن أو الأفراد أن يحققوا ذاتهم وتطلعاتهم ومصلحتهم.
الطاعة والخضوع: كل من يخرج عن الطاعة يوضع في خانة الخائن والعدو، أو الخارج عن الجماعة، أو العاصي. يُفرض الخنوع والتسليم، وتصبح الطاعة معيار المواطن الصالح. ويُقصى التفكير النقدي لصالح الولاء المطلق: إما معي أو ضدي، إما وطني أو عميل (خائن، انفصالي، فلول، أقلوي، إرهابي، جرثومة....)
العقاب العنيف: تُستخدم القوة لإعادة "العاصي" إلى طريق "الصواب". لا وجود لمحاسبة عادلة أو فرص للإصلاح، بل ترهيب وترويض. هناك طريق واحد للعودة إلى "الصواب": الخضوع الكامل من جديد. ويستخدم العقاب لسحق أي معارضة أو رأي مختلف من أجل القدرة للمطالبة من جديد بأي شكل من أشكال التغيير (الاعتقال، التعذيب، المجازر، القصف، الاختطاف، التهجير .......)
هذا النموذج السلطوي ليس حكرًا على الأنظمة السياسية القمعية، بل يتغلغل في النسيج المجتمعي كله: في المدرسة، في الأسرة، في المؤسسات الدينية، في البنى الأبوية والعشائرية، وحتى في الأحزاب الأيديولوجية. وهو ما يجعل العنف ثقافة مبررة تعطي الحق للسلطة أن تمارسه، لا مجرد سلوك عابر يمكن إصلاحه.
نحو سلطة تشاركية تُنتج حياةً أعدل بكرامة
التحول المطلوب اليوم لا يكمن في استبدال الأسماء فقط، بل في إعادة بناء العلاقة مع السلطة على كل المستويات، الانتقال إلى اللاعنف يتطلب تفكيك هذه الركائز، وبناء نموذج للسلطة قائم على التشاركية والكرامة والمواطنة.
نحن بحاجة إلى سلطة تُبنى على التوافق، وتحكمها قوانين عادلة متفق عليها تطبق على الجميع.
لا بد من الانتقال من نموذج الأحادية إلى نموذج السلطة التشاركية، حيث تُبنى القواعد بشكل مشترك، وتُحترم الكرامة الفردية، وتُصان الحريات مهما كانت الاختلافات. وتكون الحاجات الفردية والجماعية هي الأساس في بناء العقد الاجتماعي الجامع.
بدل الطاعة العمياء كرعية، الانتقال إلى مواطنين شركاء، يكون احترام وتطبيق القانون هو اللبنة الأساسية في الحياة الشخصية والعامة. التفاعل والنمو بين كل مكونات الوطن هو المحرك الأساسي في المجتمع.
وبدل العقاب والعنف، نحتاج إلى نظام للمحاسبة والمساءلة، لا يهدف إلى الانتقام، بل إلى التصحيح والتطوير، سواء في الدولة، أو في العائلة، أو في أي بنية مجتمعية أخرى. التعلم هو المنطق السائد في المجتمع من أجل النمو النفسي والجسدي والمؤسساتي.
بالمختصر نحتاج الى الانتقال من الأحادية إلى التشاركية، ومن الطاعة إلى احترام القانون، ومن العقاب إلى المحاسبة والمساءلة البنّاءة. الانتقال من السلطة الديكتاتورية القمعية إلى السلطة التشاركية الديمقراطية.
إن بناء مجتمع اللاعنف هو عملية تحوّل طويلة ومعقدة، تبدأ من داخل العائلة، وتمر بالمؤسسات التعليمية والدينية، وتصل إلى الدولة. إنها عملية إعادة تعريف للسلطة، وللذات، وللآخر في آنٍ معًا.
لا يعني فقط "الابتعاد عن العنف"، بل يعني وجود علاقات جديدة تقوم على الاحترام، والكرامة، والاعتراف المتبادل بالحقوق.
وهذا لا يتحقق إلا عندما نخوض، كأفراد ومجتمعات، رحلة تحوّل حقيقية. من القمع إلى المشاركة، ومن التسلط إلى الحوار، ومن الطاعة إلى المواطنة.
إنها دعوة لنُعيد صياغة حياتنا العامة، لا على أساس الخوف، بل على أساس الكرامة والمشاركة، والحق في أن نكون مختلفين… وآمنين.
نظرتنا إلى الآخر
إذا كان الجزء الأول قد تناول التحول في العلاقات التي تسودها السلطة، فإن هذا الجزء يأخذنا إلى بُعدٍ آخر من العنف: نظرتنا إلى الآخر المختلف.
الآخر هو كل من لا يشبهني تمامًا: قد يكون قريبًا أو بعيدًا، يختلف عني في الدين، أو الفكر، أو العِرق، أو اللغة، أو الانتماء السياسي، أو حتى في أسلوب الحياة والعادات.
هذا الاختلاف الطبيعي يصبح، في كثير من الأحيان، مصدر خوفٍ أو رفضٍ، لا لأنه خطر بحد ذاته، بل لأنّه يزعزع الصورة المألوفة التي بنيت حول ذاتي وعالمي.
نحن نرتاح لمن يشبهنا، لمن يتحدث لغتنا، ويشاركنا أفكارنا وإيماننا ومزاحنا.
أما المختلف، فهو يذكّرنا بأن الحقيقة ليست واحدة، وأننا لسنا مركز الكون.
وهنا يبدأ التوتر: هل أستطيع أن أرى المختلف إنسانًا له كرامته وحقه في أن يكون ما هو عليه؟ أم أراه تهديدًا ينبغي نفيه أو إلغاؤه؟
في جوهر كل عنفٍ اجتماعي أو سياسي أو ديني، هناك نظرة تُشيّئ الآخر، تحوّله من إنسانٍ إلى “شيء” يمكن الاستغناء عنه أو سحقه.
ومن هنا يبدأ خطاب الكراهية، عندما تختفي الأسماء والوجوه لتحلّ محلها أوصافٌ عامة: “مندسون”، “شبيحة”، “انفصاليون”، “فلول”، “إرهابيون”...
كلماتٌ تُفرغ الإنسان من إنسانيته، وتُسهّل ممارسة العنف بحقه دون شعورٍ بالذنب.
إنّ بناء مجتمع اللاعنف لا يقوم فقط على ضبط السلوك، بل على تغيير النظرة.
أن نرى في الآخر إنسانًا له حاجاته ومشاعره وتجربته، لا خصمًا أو تهديدًا.
أن نؤمن أن الحقيقة ليست ملكًا لأحد، وأن كلّ إنسانٍ يحمل جزءًا منها، نابعًا من تجربته وظروفه وبيئته.
وحين ندرك أن الحقيقة متعددة، وأنها تتسع للجميع، نتحرر من الخوف والكراهية، ونقترب من جوهر اللاعنف: الاعتراف بالآخر كإنسانٍ كامل، مختلفٍ لكنه مساوٍ في القيمة.
اللاعنف هنا لا يعني الضعف، بل قوة الوعي الذي يرى الإنسان قبل الفكرة، ويحترم الحق في الاختلاف بدلًا من أن يخافه.
فحين تتغير نظرتنا إلى الآخر، تتغير اللغة، والموقف، والعلاقات، والمجتمع كله.
من علاقات السلطة إلى علاقات الوعي
في الجزء الأول، كان التحول من العنف إلى اللاعنف يمر عبر تفكيك البُنى السلطوية في العلاقات.
أما في هذا الجزء، فإن التحول أعمق وأهدأ، يحدث في الداخل: في الوعي، في نظرتنا إلى الإنسان المختلف.
إنّ الطريق إلى اللاعنف يبدأ حين نكفّ عن النظر إلى الآخر كتهديد، ونبدأ برؤيته كإنسانٍ يحمل معنا همّ الوجود ذاته، ولو من زاويةٍ مختلفة.
من هنا فقط يصبح اللاعنف ليس مجرد موقفٍ سياسي أو أخلاقي، بل منهج حياةٍ ووعيٍ جديد بالعالم.