11-04-2026
بات النزاع جزءاً من إيقاع العلاقات الاجتماعية في المجتمع السوري نتيجة سنوات طويلة من التوتر والانقسام، فلم يعد الخلاف وحتى الاختلاف حدثاً عابراً يمرّ سريعاً ثم يذوب في تفاصيل الحياة اليومية، بل أصبح حاضراً في طبقات العلاقات المتنوعة: داخل العائلة الواحدة، في أحاديث الجيران والأزقة الضيقة، في أماكن العمل، وحتى داخل المبادرات المجتمعية الصغيرة التي تشكّلت أصلاً لمحاولة ترميم ما تضرر من الروابط الاجتماعية، ومع ذلك، فإن المشكلة ليست في نشوء النزاع بحد ذاته؛ بل في الطريقة التي يتعامل بها الناس معه حين يظهر.
في لحظة النزاع، لا يستجيب الأفراد عادةً لما يؤمنون به نظرياً من قيم الحوار والاحترام المتبادل، بل لما اعتادوا عليه عملياً من أنماط استجابة تشكّلت عبر التجربة، هذه الفكرة تبدو أكثر وضوحاً داخل قاعات تدريب إدارة النزاع، إذ يجتمع ضمن هذه المساحة المحدودة أفراد من خلفيات وتجارب مختلفة، ولا يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى يظهر الخلاف فيما بينهم، فتتحول قاعة التدريب الصغيرة إلى صورة مصغّرة عن ديناميكيات مألوفة في الحياة السورية، وتبرز استجابات مختلفة للأفراد ما بين الدفاع عن الموقف أو الانسحاب الصامت من النقاش أو محاولة حازمة لفرض الرأي قبل أن تتوسع دائرة الخلاف، وهي استجابات تتشكل تدريجياً داخل بيئة اجتماعية عاشت لسنوات طويلة تحت ضغط الخوف وعدم اليقين، حيث يصبح الدفاع أحياناً وسيلة للحماية، ويصبح الصمت خياراً لتجنب خسارة علاقة أو الدخول في مواجهة لا يُعرف مآلها.
ما بين القيمة والسلوك
في النقاشات العامة حول سوريا، يُطرح اللاعنف غالباً بوصفه قيمة أخلاقية أو خياراً سياسياً، يظهر في الخطابات والبيانات، وفي الدعوات المتكررة إلى الحوار والتفاهم، وتبدو الفكرة في ظاهرها بسيطة ومقنعة: أن يكون الخلاف أقل حدّة، وأن تُحلّ النزاعات بطرق سلمية بدل أن تنزلق إلى العنف أو القطيعة، لكن حين تنتقل هذه الفكرة من مستوى الخطاب العام إلى تفاصيل الحياة اليومية، تبدأ المسافة بين ما نقوله وما نفعله بالظهور بوضوح أكبر.
ففي لحظة الخلاف، وحين يشعر الناس بأن موقفهم مهدد أو غير مسموع، هنا تحديداً، تظهر حدود التعامل مع اللاعنف بوصفه قيمة أخلاقية مجردة، فالقيم، مهما كانت نبيلة، لا تتحول تلقائياً إلى ممارسات يومية؛ إذ إن ما يحدد سلوك الأفراد في لحظة التوتر ليس فقط ما يؤمنون به، بل ما تعلّموه عبر التجربة: كيف يعبّرون عن الغضب، كيف يدافعون عن أنفسهم، وكيف يفسّرون مواقف الآخرين.
من هذه الزاوية، يصبح اللاعنف أقرب إلى مهارة حياتية منه إلى شعار أخلاقي، فهو لا يتعلق فقط برفض العنف، بل بالقدرة على إدارة الانفعال، وفهم ما يقف خلف المواقف المختلفة، والبحث عن مساحة للتعاون حتى في لحظات التوتر، وداخل القاعات التدريبية يبدأ المشاركون بملاحظة ردود أفعالهم المعتادة؛ فبعضهم يكتشف ميله إلى الدفاع عن موقفه حتى حين لا يكون الخلاف كبيراً، بينما يدرك آخرون أنهم ينسحبون من النقاش سريعاً خوفاً من تصعيده.
ومع الوقت، يتعلم المشاركون أدوات بسيطة لكنها مؤثرة: كيف يعبّرون عن شعورهم دون اتهام، وكيف يطرحون سؤالاً بدل إطلاق حكم، وكيف يمكن للاختلاف أن يبقى اختلافاً دون أن يتحول إلى معركة.
أنماط الاستجابة
يقدم نموذج توماس كيلمان إطاراً واضحاً لفهم أنماط إدارة النزاع، عبر خمسة أساليب رئيسية: التنافس، التجنّب، التكيّف، التسوية، والتعاون.
في بيئات اجتماعية مستقرة نسبياً، يمكن للأفراد التنقل بين هذه الأساليب بسهولة، واختيار الأسلوب الأنسب بحسب السياق، الأمر الذي يتيح معالجة الاختلافات بشكل سلس، مع الحفاظ على العلاقات. لكن في الواقع وبعد سنوات طويلة من التوتر والانقسام نشأت أنماط استجابة محددة لدى الأفراد، غالباً متطرفة، تميل إما إلى التنافس أو التجنّب.
في النمط الأول، الدفاع الحاد ومحاولة فرض الرأي يصبحان الآلية المعتادة لمواجهة أي خلاف، كأن الخلاف نفسه تهديد مباشر للوجود أو للكرامة، وفي النمط الثاني، يختار بعض الأفراد الانسحاب الكامل من النقاش، معتقدين أن الصمت أفضل من الدخول في مواجهة قد تتصاعد بلا ضوابط. كلا الأسلوبين منطقي في ضوء تجربة تراكمية من عدم الثقة والخوف، لكنه يحمل معه خطر تصعيد سريع لأي اختلاف، مهما كان بسيطاً، ويحوّل أي نقاش إلى اختبار للقدرة على التحمل أو على السيطرة.
هنا يبرز دور التدريب، ليس كوسيلة لحل النزاع في لحظته فحسب، بل كمساحة لإعادة التفكير في أنماط الاستجابة نفسها، إذ يمكن للمشاركين رؤية أنفسهم كما هم: من يميل إلى التنافس حتى حين لا تكون الحاجة لذلك ملحة، ومن ينسحب من الحوار خوفاً من التوتر، ومع الإرشاد والتقنيات العملية كتسمية المشاعر، والإصغاء الفعّال، وإعادة صياغة الموقف، يبدأ الأفراد بفهم أن لديهم خيارات غير نمطية، حيث تمنحهم التدريبات فرصة للتحول من الاستجابة التلقائية إلى اختيار واعٍ، لتجربة التعاون أو التسوية بدلاً من الصراع أو الانسحاب، وفي كل تجربة صغيرة تتشكل قدرة على إدارة النزاع بطريقة تقلل التصعيد وتفتح مساحة للحوار، حتى في مجتمع يعاني آثار الانقسام الطويل.
التحول الواعي
التحولات التي تحدث داخل قاعة التدريب غالباً لا تبدو كبيرة في لحظتها، فالأصوات ترتفع أحياناً، وتُسجّل الملاحظات، ويتم تمثيل المواقف كما لو كانت تمارين عابرة، لكن ما يحدث أعمق من ذلك: يبدأ المشاركون بملاحظة ردود أفعالهم المعتادة، والتفريق بين ما يشعرون به وما يقوله الآخرون، هنا تظهر قوة مبادئ التواصل اللاعنفي لمارشال روزنبرغ، حين يطلب منهم التعبير عن شعورهم واحتياجاتهم بدل إطلاق أحكام على الآخرين، أو إعادة صياغة ما سمعوه للتأكد من الفهم، تبدأ القاعدة القديمة: الدفاع أو الانسحاب، بالتحوّل تدريجياً إلى استجابة واعية واختيار مدروس.
مع تكرار هذه التحولات عبر عدد أكبر من الأفراد، يبدأ المناخ الاجتماعي بالتغير تدريجياً، فاستجابات الأفراد المتحولة تنتقل عبر علاقاتهم الاجتماعية، وتصبح التفاصيل الحياتية منصة لتطبيق مهارات اللاعنف بشكل ملموس ومستدام.
وعلى الرغم من أن تدريبات إدارة النزاع تبدو متواضعة مقارنة بحجم التحديات، إلا أنها تتجاوز دورها في القدرة على تحسين التواصل بين الأفراد لدور أوسع يمكن وصفه بالوقاية الاجتماعية الدقيقة، لكونها تفتح مساحة عملية لتعلّم مهارات يمكن تطبيقها داخل العائلة الواحدة وفي العمل والمبادرات المدنية، ومع كل تجربة صغيرة، يبدأ الأثر بالتراكم؛ حيث تتحول مهارات اللاعنف من فكرة مجردة إلى ممارسة فعلية، تؤثر في الطريقة التي يتعامل بها الناس مع اختلافاتهم، وتعيد تدريجياً تشكيل الفرد والجماعة على حد سواء.