اللاعنف كحركة جسدية: حين يعُاد تعريف القوة خارج الصورة 

 

سماح يوسف

26-03-2026
  
العنف لا يستطيع رصد اللاعنف، لأن الأخير لا يعمل كضدّ مباشر له، بل كمراقب يعيد تعريف القوة ذاتها. ومع ذلك، يبقى اللاعنف حتى اليوم مُربكاً.
العنف، من موقعه، فعلٌ أحاديّ. حتى رموزه البصرية تقُرأ من جهة واحدة. وحتى حين يجتمع الهجوم والدفاع في الصورة نفسها، يبقى العنف هو المعنى الغالب. سواء ركّز القارئ على المُعنِف أو المُعنَف، ما يرُى في النهاية هو عنف. لذلك هو سريع، قائم على الصدمة، ويكافئ الفضح والإلغاء والصراخ. 
 أما اللاعنف، فصورته أشمل. رموزه بطيئة، أقل جذباً بصرياً، وغير قابلة للاختزال في صورة أو منشور. 
العلاقة بينهما تشبه سطح المحيط وعمقه معاً. لذلك، لا يمكن التفكير به إلا عبر الحركة نفسها، بوصفها تجربة تعُاش لا مشهداً يلُتقط. 
كرّست البصرية إيماءة رفع اليد كعلامة "توقّف"، كفعل اعتراض أو صدّ أو إيقاف. في جميع هذه الحالات، نحن أمام فعل أحاديّ الاتجاه، حتى وإن لم يكن عنيفاً في نيته. تقُرأ الإيماءة هنا بوصفها رسالة مغلقة: أمر موجّه من طرف إلى آخر. 
في المقابل، هناك إيماءة "التحية بالأيدي"، حيث يرفع شخصان أيديهما في الوقت نفسه وتلتقي راحتاهما. قد تبدو هذه الحركة بسيطة أو عابرة، لكن ما يحدث فيها يتجاوز شكلها المباشر. هذه الحركة لا تكتمل إلا بالموافقة المتبادلة، ولا يمكن فرضها. 
 اليد تبقى معلقّة دون استجابة. لا يوجد منتصر دون الآخر، ولا فعل يكتمل من طرف واحد. 
 
في البداية، قد يبدو أن الشكل الجسدي للإيماءة هو ما يحدد طبيعتها: هل هي عنيفة أم لا. لكن مع التمعّن أكثر، يتضح أن اللاعنف لا يعمل في الشكل وحده، بل في العلاقة التي ينتجها هذا الشكل. 
بهذا المعنى، لا تغُلق الإيماءة معناها، بل تتركه مفتوحاً. تصبح قابلة للرفض دون عقاب، وللفشل دون انهيار العلاقة. وهنا تحديداً، تتحول من حركة جسدية إلى اقتراح علاقة. 
العنف، حتى في رمزياته، يميل إلى الإغلاق والمنع والقطع، وتعريف الآخر كمصدر تهديد. أما هنا، فالحركة تفتح وتقترح، وتترك فراغاً للآخر. هذا الفراغ هو ما يجعلها سياسية. فاللاعنف لا يعيش في الإيماءة ذاتها، بل في المسافة التي تعُاد هندستها بين الأجساد.
لكن هذه الإيماءات نفسها يمكن أن تفُرغ من معناها، وأن تتحول إلى استعراض أو تعريف سطحي، أو حتى أداة إقصاء ضمن ثنائية "نحن" و "هم". قد تسُتخدم لتجميل واقع عنيف، فتغدو أداءً بلا علاقة حقيقية. ومع ذلك، فإن حركة صغيرة، فيها لمس كفيّن، قد تكشف منطقاً لاعنفياً نفتقده في أفعال أكبر.
اللاعنف لا يحيا في الشكل، بل في العلاقة التي ينتجها الشكل. حيث يصبح الوقوف، والجلوس، والامتناع، والصمت، واللمس أدوات تغيير سياسي. لم يعد الفعل السياسي محصوراً بما نقوله، بل بما نفعله بأجسادنا في الفضاء العام. 
 هنا يبرز سؤال لا مفرّ منه: هل التعبير الجسدي كحركة حرة خطر على السياسة؟
لقد غيّر اللاعنف شكل الفعل العام، وجعل الإيماءة فعلاً سياسياً. عبر العلاقة مع الجسد، ومع الآخر. ومع الزمن، تتحول الحركة اليومية الصغيرة إلى قرار سياسي. هنا تنُقل السياسة إلى الجسد اليومي، فيتحول من أداة إلى شاهد ورسالة، يكشف اعتماد النظام عليه. 
 حين يقف شخص أعزل أمام دبابة، الفعل ليس الوقوف بحد ذاته، بل إعادة تعريف القوة.
 
 لكن إذا كانت هذه العلاقة تبُنى في الفضاء المادي بين الأجساد، فإنها تتعرض لتحول مختلف حين تنتقل إلى الفضاء الرقمي.  
في وسائل التواصل الاجتماعي، يخُتزل الجسد، وتجُمّد الإيماءة، ويفُصل الرمز عن سياقه. تتحول الإيماءة إلى شعار، أو أمر، أو أداة إلغاء. هنا لا يختفي اللاعنف، لكنه يفقد أحد عناصره الأساسية: الزمن والعلاقة. 
اللاعنف لا يقول: لا تستخدموا الرمز، بل يقول: أعيدوا تحريكه. أعيدوا له الزمن، والعلاقة، والاحتمال. فالإيماءة ليست حركة فحسب، بل تنظيم علاقة. 
حين ترفعين يدك، لا تقولين فقط "توقّف". أنتِ تعيدين رسم المسافة، وتحددين من يقترب ومن يقُصى، وتعرّفين من يملك القرار، فالإيماءة هي هندسة غير مرئية للسلطة.  
لكن هذه الإيماءات لا تقُرأ بالطريقة نفسها عند الجميع. 
فكيف ترُاقبَ الإيماءة حين تكون يد امرأة؟ من يطُلب منه التوقّف أكثر من غيره؟ من يسُمح له أن يلمس؟ ومن تقُرأ إيماءته كتهديد؟ 
جسد المرأة لا يقُرأ بالشروط نفسها. يفُسَّر أكثر مما يسُمَع، وتحُمَّل إيماءته معانٍ تتجاوزها. 
إشارة "توقّف" من امرأة قد تقُرأ كعدوان، أو رفض مبالغ فيه، أو خروج عن المقبول.
أما التحية بالأيدي من امرأة، فقد تكون استعادة للفضاء، واقتراح علاقة، لا طلب إذن. 
هنا يعمل اللاعنف في أكثر مناطقه حساسية. 
في الحركات النسوية، الجسد هو موقع التوتر والمعنى معاً. فاللمس تاريخياً ارتبط بالانتهاك أو الرقابة، وتحول إلى حدّ مشحون. لذلك، فإن إعادة تعريفه كمساحة تواصل، لا سيطرة، ليست خطوة بسيطة.
 في هذا السياق، لا يعود السؤال فقط عن الحرية الجسدية، بل عن شيء أعمق:
 من يملك تعريف الحركة؟ ومن يملك الجسد؟ 
حُمِّل جسد المرأة عبر التاريخ تعريفات أحادية الاتجاه، تحوّلت مع الزمن إلى عبء ثقيل. حركة جسد المرأة في الفضاء العام مراقبة ومحكومة أكثر من غيرها. الجسد ليس متساوياً في الفضاء العام. 
في الفضاء المهني، كما في العام، تحتاج الحركة إلى حرية جسدية، لكن هذه الحرية لا تمُنح بالتساوي. تقُصى النساء عن مساحات كاملة، وتقُيَّد حركتهن، ويعُاد تعريف الجسد بوصفه خطراً أو عبئاً. 
 في حالات التحرش أو التعذيب، لا ينُتهك الجسد فقط، بل تدُمَّر علاقته بذاته وبالآخر.
 هنا يصبح اللاعنف أكثر من خيار أخلاقي؛ يصبح أداة لإعادة بناء العلاقة. 
اللاعنف لا يعمل بين شخصين فقط، بل في الفراغ بين الأجساد. يعيد تعريف أول حدّ جسدي: اللمس. يحوّله من سيطرة إلى تواصل، ومن منع إلى اعتراف، ومن تحكّم إلى مشاركة. 
 أما العنف، فيملأ هذا الفراغ بالقوة والأمر والتهديد. 
 اللاعنف يفعل العكس: يوسّع الفراغ، ويجبر الجميع على رؤيته. وهذا الفراغ هو أخطر ما فيه سياسياً.
 وإذا كان الجسد ساحة صراع، فهو أيضاً مساحة إمكان.
 وربما لهذا تحديداً، يصبح جسد المرأة أكثر حساسية في هذا الصراع، لأنه حُمِّل عبر التاريخ طبقات من المعاني، وجُعل في آنٍ واحد أداة وساحة. 
 في هذا السياق، يصبح اللاعنف في الفكر النسوي أداة دفاع مختلفة: أن نستخدمه دون أن نحوله إلى سلاح، وأن نعيد للجسد علاقته بالحركة، لا بالهيمنة.
 اللاعنف لا يطلب الطاعة، بل يقترح علاقة. 
 ولا ينتج صورة، بل مساراً. 
 ولا يختصر الزمن، بل يتركه يعمل.