5-04-2026
يُؤخَذ على من يلجأ إلى اللاعنف عادةً، أنه استسلامي، ضعيف، تأملي لا يعتمد الفعل، وفي أحسن الأحوال خطاب مثالي وغير ناجع عندما يكون صوت السلاح هو الأعلى.
قد يكون هذا صحيحاً قياساً لتجارب فشلت حقاً. وفي الوقت نفسه، ستكون تلك الادعاءات خاطئة أمام النتائج التي حققتها حركات لاعنفية، بعد خوضها تجارب ناجحة في مواجهة العنف وفي دعوتها إلى تحقيق السلام من أجل التوصل لتسوية شريفة للنزاع الذي يكون قائماً، وفي سبيل تحقيق ذلك، فإن الحركات اللاعنفية مسلحة وتخوض المعارك أيضاً.
لقد رأى غاندي أن اللاعنف لا يقتضي الامتناع عن القيام بأية معركة واقعية لمواجهة الشر. بل على العكس من ذلك، فهو يرى في اللاعنف صراعاً أكثر حيوية وأصالة من قانون الثأر البسيط الذي يؤدي لمضاعفة الشر. كما أوضح نيته في اللجوء لأسلحة أخلاقية وروحية ضد كل ما هو لا أخلاقي. فهو لا يبحث عن إضعاف حد السلاح الذي يواجهه به المستبد باستعمال نصل أكثر شحذاً من سلاحه، بل يعمل على إبطال مفعول دافع الصراع بعدم القيام بأية مقاومة مادية.
لذلك، اعتبر غاندي الحرية هي استعداد الإنسان للموت، إن تطلب الأمر ذلك، على يد جاره، ولكنها لا تعني أبداً قتله مهما كانت الأسباب. فبما أنه يجب أن نتعلم القتل لممارسة العنف، يجب علينا أيضا معرفة الاستعداد للموت لنتدرب على اللاعنف.
ولكن ماذا عن الخوف من المواجهة؟
إن اللاعنف لا يحرر الإنسان من الخوف، ولكنه يبحث عن سبب الخوف لاجتثاثه.
فاللاعنف لا أثر فيه لأي خوف كيفما كان، وعلى الذي يتبنى اللاعنف أن يستعد لبذل التضحيات الكبرى للتحرر من كل خشية. فلن يتساءل عما إذا كان ''سيفقد بيته أو ثروته أو حياته، وإذا لم يتجاوز كل التخوفات، فإنه لن يستطيع ممارسة اللاعنف (ahimsa: أعلى قدر من الحب) في منتهى الكمال''.
وبطبيعة الحال فلا يمكن قياس فعالية اللاعنف إلا حين يواجه وسطاً معيناً، ولا يمكن للمرء أن يكون لاعنفيّاً فعلاً ويظل في نفس الوقت سلبياً تجاه الظلم الاجتماعي.
إن المقاومة اللاعنفية هي منهج يسمح بالدفاع عن أي حق مهدد وذلك بتحمل واع للعواقب التي يمكن أن تنتج عن ذلك. وهي بذلك تختلف عن المقاومة المسلحة، فعندما أرفض القيام بشيء يشمئز منه ضميري، ألجأ إلى قوة الروح.
لنفترض أن الحكومة عملت على تبني قانون ينتهك بعضاً من حقوقي، فإذا لجأت إلى العنف من أجل إبطال هذا القانون، فـسأستعمل ما يمكن نعته بقوة الجسد. ولكن على العكس من ذلك، إذا لم أخضع لذلك القانون مع قبول تحمل العقوبات المتوقعة في هذه الحالة، فإني استعمل قوة الروح، وهو ما يتطلب قدراً عالياً من التضحية بالنفس.
وعلى صعيد نقدي، من المهم الإشارة إلى مبالغة البعض في الذهاب إلى أن ''اللاعنف هو أعظم قوة تملكها الإنسانية، وتأثيرها أكبر من أكثر الأسلحة دماراً''، إلى حدّ اعتبارها حل نهائي و ''سحري'' لمختلف أشكال الصراعات. هذه المبالغة تنطوي على قدر من التبسيط، يتجاهل تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي، حيث تتداخل موازين القوى، والمصالح، والبُنى المؤسسية في تشكيل مسارات التغيير.
وصحيح أن اللاعنف قد ينجح في ظروف معينة، بعد أعمال طويلة وكثيرة وأدوات وبرامج وتنسيق لا ينتهي، لكنه ليس وصفة جاهزة يجري عرضها في أي سياق. لذا، ينبغي النظر إليه كأداة أو استراتيجية تندرج ضمن مجموعة أوسع من استراتيجيات العمل على الدعوة إلى السلام.