11-03-2026
يُفترض بالمؤسسات التربوية والتعليمية أن تكون من أبرز البُنى الاجتماعية التي ترتقي بالإنسان على الصعيدين المعرفي والأخلاقي، وأن تُسهم في تحقيق غاياته المتمثلة في النمو والتطور، وذلك عبر ممارسات تربوية مثل: نشر ثقافة الحوار البنّاء داخل الفصل المدرسي، واحترام الاختلاف بوصفه مصدراً للتعلّم، وتشجيع التفكير النقدي، وتنمية حسّ المسؤولية المشتركة والتعاون السلمي في مواجهة المشكلات.
فالتربية، في جوهرها، لا تقتصر على تلقين المعرفة، بل ترتبط بترسيخ القيم الإنسانية العليا (الخير والحق والجمال) وهي القيم التي شكّلت عبر التاريخ الأساس الأخلاقي لفكرة اللاعنف.
لكنّ التجربة الواقعية تكشف عن انحراف في مسار عمل بعض المؤسسات التربوية والتعليمية.
فما الذي يعيق عمل بعض المؤسسات التربوية ويجعلها تنحرف عن مسارها؟
إن عدم تحقيق التوافق بين غاية الإنسان من وجوده وما يتم العمل به لتحقيقها يُسقِط أيّ مشروع تعليمي أو تربوي أو ثقافي، وإذا تتبعنا مسار العنف المؤسسي داخل دوائر التربية والتعليم، يكشف ذلك عن حصار مزدوج يحيط بالإنسان:
أولاً: الحصار الوظيفي
يظهر ذلك في سياسات وممارسات تختزل العملية التربوية إلى آليات إدارية صارمة، قائمة على إعطاء أفكار جاهزة للتلقين أكثر من اعتمادها على تحليل المعلومة ومناقشتها.
ففي كثير من البيئات التعليمية يُطلب من الطالب حفظ المعلومات وتكرارها دون مساحة حقيقية للنقاش والتحليل، كما يُقاس نجاحه بقدرته على الامتثال للمعايير المفروضة لا بقدرته على الفهم والتقييم والإبداع.
ثانياً: الحصار الوجودي
ينشأ هذا الحصار عندما يَطّلع الطالب على القيم الإنسانية دون أن تُمارَس داخل البيئة التعليمية نفسها، فيبدأ بالتشكيك في معنى تلك القيم.
عندها لا تُفرَّغ القيم من محتواها نظرياً فحسب، بل تتحول إلى مفاهيم مجردة لا علاقة لها بالتجربة اليومية، ولا يعود الطالب يرى في تلك المفاهيم سوى شعارات نظرية، فيتعلم التكيّف مع النظام القائم بدل أن يمارس الفعل والمساءلة، وبمرور الوقت يفقد إحساسه بقدرته على الفعل والتأثير ويتحوّل وجوده داخل المؤسسة إلى مجرد امتثال لمتطلبات النظام التعليمي.
إن هذا الواقع التربوي يُسهِم في إعادة إنتاج أوجه العنف داخل المجتمع. فبعض المؤسسات التربوية التي تُدار بآليات بيروقراطية جامدة وتبتعد عن نشر ثقافة الحوار البنّاء وتقبّل الآخر، لا تهتم بالتوعية السلوكية ولا تعلّم الأفراد كيفية إدارة الخلاف بطرقٍ لاعنفيةٍ وإنسانية.
ضمن هذا السياق، لا يمكن فصل اللاعنف عن التربية، فاللاعنف ثقافةٌ تُزرع داخل الفضاء التعليمي عبر ممارسات إنسانية ملموسة، تهدف إلى صون الحرية وتنمية المسؤولية والمساءلة، وتُمكّن الفرد من الارتقاء معرفيّاً وأخلاقيّاً.
في ضوء ذلك، يجوز لنا القول إنّ اللاعنف مشروع تربوي–وجودي يجعل من الحرية مسؤولية، ومن العدالة أساساً للنظام، ومن المعرفة غاية. فالتربية أحد المجالات الأساسية التي يتشكل فيها جوهر اللاعنف؛ فالمؤسسة التعليمية التي تفتح المجال للنقاش، وتعلّم الطلاب التفكير النقدي، وتتيح لهم التعبير عن آرائهم بحرية، تضع الأساس الثقافي لأي مشروع اجتماعي لاعنفي يسعى إلى بناء مجتمع أكثر عدالة وسلاماً وتماسكاً.
الكاتب: أنور ناصر الدين.