عن العنف والذهول في حياتنا اليومية 

 

جبران علي

24-03-2026

من المعلوم أن العنف بمختلف أنواعه، يسبب آثاراً متعددة وكثيرة، ولعل أحد أبرز تلك الآثار في الحياة اليومية السورية هو "الذهول".. والذهول حالة من الشرود والحيرة والتشتت والدهشة التي تصيب الإنسان بسبب صدمة أو عنف ما. 
ما أحدثه العنف في أنفسنا ليس مجرد صدمات عابرة، فقد تركنا في حالة من التحديق المندهش المستمر في هول ما حدث وما يحدث، دون أن نستطيع أن نفسّر كل شيء، فالأحداث تنفلت منا دائماً، والفهم الذي نحوزه لحدث ما معرّض دائماً للتغير، أي أن الفهم يُشْكِل علينا دائماً، فما بالك عندما نواجه صدمات مهولة، كالمجازر التي حدثت وتحدث منذ سنوات وبشكل متكرر؟ 
إن حالة الذهول هذه التي نعيشها وتجعل نظرنا ثابتاً حائراً وغير قادر على تجاوز نفسه إلى أن نمتلك شجاعة ما؛ تذكّرنا بشخصية نرسيس الأسطورية، ذاك الذي أصابه الذهول وتجمّدت نظرته للأبد، فنرسيس أصيب بحالة من الذهول والجمود القاتل، لأن ما واجهه بدا له مفاجئاً ومهولاً وغير قابل للفهم، كأن انخطافاً أصابه فشتت فكره وأحاله حجراً. 
ثمة ثلاث روايات لأسطورة نرسيس- كما يشير باسكال كينيار- لكن الرواية التي تهمنا هي التي تقول إن نرسيس كان يحب شقيقته التوأم التي ماتت في مراهقتها حباً كبيراً، مما جعله يشعر بألم منعه من حب غيرها من النساء، إلى أن شاهد انعكاسه ذات يوم في ماء نبع فرأى فيه أخته، مما خفف حزنه ولكن جعله ينحني فوق كل نبع وساقية يجدها في طريقه، كي يستعيد تلك الصورة التي واسته في حداده. 
نحن السوريون نواجه واقعاً مهولاً ومفاجئاً، ولعل الذهول الذي يصيبنا هو أمر منطقي جداً، فالعنف في واقعنا اليومي وصل إلى حدوده القصوى وتجاوز قدرتنا على التحمل، والحال أن تحديقنا المنذهل في حياتنا الذي يتوخى مواساة أنفسنا يشبه تحديق نرسيس، فنحن نعيش في حداد عميق على أنفسنا ونحتاج إلى انعكاس ما يجعل من واقعنا أكثر قابلية للاحتمال. 
كلنا ربما تعرضنا لفقد ما، وكلنا نبحث عن صور أحبابنا بشكل يومي، محاولين ترويض العنف الذي وقع في أفق أنفسنا المكلومة، وكلنا أسرى العنف المهول الذي يعشش في تفاصيل حياتنا اليومية. 
الذهول إذاً، يأتي على معانٍ عدة، كلها تشير بطريقة أو بأخرى إلى العنف الذي عشناه، لذلك فإن الخروج من حالة الشرود والذهول والانخطاف والتشتت الذي نعيشه لا بد أن يمر عبر مقاومة النزعات العنفية والعمل على نشر ثقافة اللا عنف، ولكن هذا لا يتحقق بطبيعة الحال "بين يوم وليلة"، كما يقال في اللسان العامي، إلا أن الوصول إليه يستحق المحاولة. 
والجدير بالذكر أيضاً، أن الاستراتيجيات اللاعنفية لا تحقق نفس الفاعلية في كل زمان ومكان، فما ينجح في سياق ما قد لا ينجح في سياق آخر، لكن ما تستطيع النظرة اللاعنفية أن تقترحه، بالحد الأدنى، هو تفكيك آثار العنف التي تصيب بالذهول والجمود والانسداد والتشتت والحيرة، وبشتى أنواع السلوب، وبطبيعة الحال، لا وجود لوصفة لاعنفية جاهزة تستطيع أن تقدم حلولاً نهائية وحاسمة في كل السياقات، ولكن ثمة استراتيجيات أو نزعات أو طرق لاعنفية تستطيع - أقل ما يمكن على المستوى النظري - أن تكشف النقاب عن آثار العنف التدميرية، ناهيك عن ما تحققه على أرض الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي.