من قلب الأمهات يبدأ السلام 

 

رنا العش

27-04-2026
في البيت تبدأ أولى دروس العدالة 
لا في المحاكم… 
بل في حضن أم 
هناك يتعلّم الأطفال معنى الإنصاف ومعنى أن يُغفر الخطأ وألا يتحوّل الغضب إلى قسوة. 
وربما لهذا..
تحمل الأمهات معرفة مختلفة عن السلام…
معرفة لا تُدرّس، بل تُعاش وتكبر بهدوء في تفاصيل الحياة اليومية. 
في بلدي الممزق والمقهور..
لم يعد السلام فكرة بعيدة أو مجرّدة، بل حاجة يومية… تشبه الخبز وتشبه الأمان. 
بعد سنوات طويلة من العنف، لم يتغيّر فقط شكل المدن بل تغيّرت العلاقات وتعبت القلوب وضاقت المساحات التي يمكن أن يعيش فيها الناس معاً دون خوف.
 في هذا الواقع لا يبدو السلم الأهلي قراراً سياسياً فقط، بل ممارسة تبدأ من الأماكن الأكثر بساطة، من البيوت، من الطريقة التي نختلف فيها دون أن نكسر بعضنا، ومن القدرة على رؤية الآخر كإنسان لا كخصم.
 وفي هذا المكان المثقل بالخسارات تقف الأمهات في مواجهة أكثر أشكال الألم قسوة، 
أمهات فقدن أبناءهن، أو ينتظرن عودة من غابوا قسراً، يحملن غيابهم كل يوم…كوجعٍ لا يهدأ وكأسئلةٍ بلا إجابات.
 ومع ذلك، لا يتحوّل هذا الألم دائماً إلى رغبة في الانتقام، بل إلى معرفة عميقة بالفقد! 
ربما لأن من عرف شكل الخسارة، لا يرغب أن تتكرّر حتى في حياة الآخرين.
 وهنا..
 في هذا الامتناع الصعب عن إعادة إنتاج الألم يتجلّى شكلٌ نادر من القوة، قوة تختار أن تحمي ما تبقّى من إنسانيتنا. 
في تفاصيل حياتنا اليومية.. 
تمارس الأمهات شكلاً بسيطاً وعميقاً من العدالة، حين تعدل بين أطفالها، حين تمنع كلمة قاسية، حين تشرح بدل أن تعاقب وحين تعلّمهم أن الاختلاف لا يعني العداء…
هناك في هذه اللحظات الصغيرة يتكوّن شكل العالم القادم، فالسلم الأهلي لا يبدأ من الاتفاقات الكبرى بل من الطريقة التي نربّي بها قلوباً قادرة على أن ترى الآخر… دون خوف أو كراهية.
 في زمن أثقلته الخسارات، لا يبدو السلام دائماً ممكناً، لكنه ربما يبدأ من حيث لا ننتبه: من قلب أم، من قدرتها على أن تحبّ رغم الفقد، وأن تسامح دون أن تنسى وأن تختار الحياة حتى حين لا تكون عادلة، ربما لا تغيّر الأمهات العالم دفعةً واحدة، لكنهنّ يزرعن فيه شيئاً أعمق؛ احتمال أن يصبح أكثر إنسانية.