ثقافة العنف: جذورها ومآلاتها في التربية والتعليم 

 

سما يوسف الشوفي

25-03-2026

  كثيراً ما شاهدنا وسمعنا عن حالات ممارسة العنف في المدارس، بين ضربٍ وصفعٍ وتنمّرٍ واستهزاء، ولمسنا مثيلاتها داخل الأُسر وفي الشوارع، بل شاهدنا الأطفال يحملون السلاح ويتباهون به، ورأينا كم فقدنا من أطفالٍ نتيجة مخلّفات الحرب التي عايشناها وما زلنا..
  كل تلك الحالات تمثّل واقعاً نعيشه بشتّى أنواع ومظاهر العنف، تستدعي من المجتمع وقفةً وجبهات لاعنفيّة لمواجهتها، سواء على صعيد التربية الأسرية والمجتمعية وعلى صعيد المؤسسات الرسمية في التربية والتعليم والمؤسسات الحقوقية والتشريعية.
فبدون تضافر الجهود من كل ما سبق لن تكون هذه الجبهة اللاعنفية فاعلة، لأنّ ثقافة العنف مترسّخة في التربية وثقافة الأسر وفي متطلبات العملية التعليمية.
وأولى خطوات هذه الوقفة هي الاعتراف بوجود هذه الثقافة، والتساؤل حولها: ما الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أدّت لانتشار ظواهر العنف؟ وهل هي محدودة أم منتشرة في كل الأصعدة والمجالات؟ وما هي الحدود الفاصلة بين ثقافة العنف وحدود التشريعات والقانون من جهة وبين الثقافة الشعبية والعادات وحدود التربية من جهة أخرى؟
انتشار ثقافة العنف
لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار أنّ البلاد مرّت بمراحل حرب طويلة، دمّرت الحجر قبل البشر، واستنزفت كلّ خيراتها وشرّدت الملايين وهجّرت غيرهم، وتركت أجيالاً بلا تعليم، تتلقّفهم جبهات السلاح، ونواصي الشوارع وغيرها...
فعلى لسان وزير التربية  في عام 2014 بلغت نسبة التسرّب وفق إحصائيات مديرية التعليم الأساسي آنذاك لعام 2012/ 2013 نسبة 6.2% وزادت إلى 10% في عام 2013، رغم أنّ التقارير الدولية تشير لأبعد من ذلك، ولحق الضرر بـ 4382 مدرسة بين تدمير وعدم استثمار وإيواء للمتضررين من الحرب. ومن المعروف فإنّ النظام البائد قد حوّل الكثير من المدارس إلى ثكنات عسكرية ليكمل دوره التدميري للأجيال والعملية التعليمية.
    وهذا انعكس بدوره على الأجيال المتعاقبة، وجعلها تتبع ثقافة السلاح والعنف، وتركهم عرضةً لمختلف أشكال التسلّط والاستغلال، فلا عجب أن نفرح برجوع آلاف الطلبة لمقاعدهم، كما حدث في دير الزور، أو إعادة ترميم بعض المدارس في أماكن أخرى. كذلك تظهر ممارسات السلطة القمعية عبر أذرعها حزب البعث ومنظماته ودوره في قمع وتدجين ومحاربة الإبداع والحرية.
ومن جانب آخر فقد وثّقت تقارير دولية عبر (منظمة الصحة العالمية ومنظمة إنقاذ الطفولة والشبكة السورية لحقوق الإنسان) الانتهاكات الحاصلة على أطفال سوريا، حيث تعرّضوا لأشكال متعددة من الانتهاكات، ولا تقتصر على سياق النزاع المسلّح، بل تمتد إلى كافة أشكال العنف الجسدي والنفسي داخل الأسرة، بالإضافة إلى تشغيل الأطفال وسوء المعاملة.
 لكن غياب آليات واضحة للإبلاغ عن هذه الحالات جعلها تتسع، كذلك الخوف من العقاب لدى الطلبة ولدى الأهالي.
هذا غير العوامل الاقتصادية المرافقة للحرب، حيث خلّفت الكثير من الأسر بلا معيل، فاضطر الأطفال إلى العمل بأي شيء حتّى ولو كان خارج إطار القوانين والأعراف.
بالإضافة إلى وجود واقع سيّء نظراً للتهجير القسري والعيش ضمن المخيمات لآلاف المواطنين، فهؤلاء كانوا ولا زالوا ضحايا الحرب ولم يروا سوى العنف والتجويع والتشرّد.
ولنتساءل هنا عن الصحة النفسية لهؤلاء الأطفال.. ماذا عاشوا؟ وبماذا تثقّفوا؟ وبماذا حلموا؟ ومَن ساندهم اقتصادياً ودعمهم نفسياً؟! ألا يستدعي ذلك وقفةً على أشكال العنف الذي تعرّضوا له؟ 
ثقافة العنف في التربية والتعليم
رأينا كمّ العنف الذي يتحمّل وزره النظام البائد تجاه أجيال من أطفال سوريا، وهذا خلق ثقافة ما يُسمّى (التماهي بالمعتدي) حيث رسخ النظام الاستبدادي قيم الولاء القسري عبر أجهزته الأمنية، وعبر منظماته مع دفع المواطن إلى البحث عن الملاذ وعن (آليات دفاعية) ليحمي نفسه، فحسب الدكتور مصطفى حجازي  يلجأ الإنسان إلى التماهي بالمتسلط لحل مأزقه الوجودي والتخفّف من انعدام الشعور بالأمن والتبخيس الذاتي الذي يلحق به من جرّاء حالة الرضوخ، حيث نجد التحاق الشباب بمنظمات الشبيبة والجيش تعويضاً للذات، والكل بات يعرف مهام هذه المنظمات، من ضبط حتى لأنفاس البشر، فهم مُكرهون ومجبورون على الدخول بهذه المنظمات لأجل فرص الوظيفة والحماية، وهذه أعنف وسائل العنف الرمزي.
فبحجة الوطن، ومقاييس الوطنية آنذاك، كان يُصلب الشباب السوري بدءاً من جيوش الدفاع وكتائب البعث والفساد والتراتبية ومحاولة غسل العقول وكم الأفواه وتقييد الإبداع، منذ الطلائع ثم الشبيبة ثم الجيش والوظيفة.
سلسلة من العنف الجسدي والرمزي والنفسي... لعلّنا الآن نحصد أشواكها في طرق تدبير الحال كالواسطة والنفوذ والرشوة.
لكن هذا لا يعني أنّ العادات والثقافة الشعبية بمنأى عن المسؤولية، فعندما نرى أنّ الصفعة والضرب وغيرها من العنف الجسدي هي قوام التربية فهذا يستدعي منّا التوقف، فحين يقول لك أحدهم هذا ابني وأنا حرٌّ بتربيته...! أو يجب أن يكون رجلاً لا يخاف ويقاتل...! أو يجب أن تضرب مَن يضربك...! أو ابتعد عن المشاكل لا سيما الأمور السياسية والعامة، وامشِ جانب الحائط...!... أو غيرها مما يُقال شعبياً.
نجد أنّ ثقافة العنف، بأشكاله الجسدية والنفسية، حاضرة، تحرّك السلوك وطرق التفكير. مثلاً دور العنف لأجل التحصيل الدراسي، مما يخلق ردود أفعال سلبية تجاه المدرسة والعلم والمعرفة.
 يقول الدكتور هشام شرابي : (إنّ المعلم يلعب دوراً في غرفة الصف كما هو دور الأب التقليدي في العائلة، فكلاهما يستخدم العقاب البدني والتعنيف النفسي بصورة شبه روتينيّة، كلاهما يحاول توكيد سلطته وذاته). وهذا يؤدي إلى التلقين والاستظهار فقط لأجل إرضاء الأسرة والمعلّم.
 ولا ننسى أنه، في مجتمع الفساد أيام النظام البائد، انتشر الغش لمحاولة الحصول على الشهادة والوظيفة والامتيازات، ويمكن القول إنه برغم كلّ دورات التأهيل التربوي وتطوير المناهج، لم تستطع انتزاع أو الحد من ثقافة العنف.
 يكفي أن نرى المناهج وتناقضاتها مع واقع الأطفال والشباب، حيث التغني بقيم الماضي المجيد من فخر وعزّة وكرم وشجاعة ووفاء وقداسة، هذا عدا عن مناهج الإطار القومي وتمجيد القائد، ممّا يجعل مساحة الفرد وكرامته وحريته وإبداعه تتلاشى، ليجد الأطفال أنفسهم في تناقض صارخ؛ حينها يعتبرون التعليم مجرّد وسيلة للوظيفة أو السفر.
إذن هناك فجوتان: أولاً بين حدود التربية وحدود القانون، وثانياً بين المناهج والمدارس وبين واقع الطلبة، ويجب هنا التوقف عندها لنرى الأسباب والنتائج ونستخلص منها ما يجب أن يكون لصالح أطفال سوريا.
نتائج ثقافة العنف
يُعرّف العنف وفق تشريعات القانون ووفق قانون العقوبات السوري لعام 1949 م بأنه: أيّ اعتداء جسدي أو نفسي على الغير إنساناً أو أملاكاً يسبب له العطالة.
وحسب الحقوقيين فإنه لم يكن يفرّق بين الإنسان البالغ وبين الأطفال، ولم يُفرد للعنف على الأطفال تشريعات خاصة إلا بصدور قانون حقوق الطفل رقم 21 لعام 2021.
وذلك بعد عدة اتفاقيات عالمية حول الطفل وتشكيل منظمات تُعنى بالطفولة كاليونيسف وإنقاذ الطفولة وحماية المرأة وغيرها.
 لكن، في ظل الفساد والتسلط الذي كان يمارسه النظام البائد، لم تجد تلك القوانين آليات للتنفيذ أو إنقاذ للطفولة. كذلك ما زال المجتمع بثقافته، رغم التطوّر التقني الهائل، أسير عادات بالية، وأسير ثقافة العنف.
ولكل ذلك نتائج على الطفولة من بينها انتهاك حقوق الإنسان والأهم حقوق الأطفال في إيجاد واقع آمن ومناخ نفسي واجتماعي صحي، وإيجاد مستقبل يتسم بالتفاؤل والازدهار.
كذلك انتشار الاضطرابات والقلق والاكتئاب والأمراض النفسية وفقدان الثقة بالآخر وبالمستقبل وبالنفس.
كما تظهر الميول العدوانية أو الانطوائية أو التنمّر والسخرية بوصفها ملاذاً وتفريغاً للعنف، سواء في الشارع أو الأسرة أو المدرسة.
إضافة إلى ضعف التحصيل العلمي أو شكليته وعدم فاعليته في مجتمع يربط النجاح بالشهادة.
ويضاف إلى ذلك استغلال الشارع والسوق لإمكانات الأطفال في العمالة والمخدرات والاستغلال، حتى الجنسي، وتشكيل عصابات السلب والسطو، وانتشار ثقافة السلاح.
كما تبرز سيطرة العالم الرقمي والتقني على فراغ الأطفال، ولجوئهم إلى العالم الافتراضي كوسيلة للتهرب وتفريغ المكبوت، وهذا بدوره فضاء للاستغلال بكل أشكاله وسلب للطاقة والإبداع. 
كيف نبني أجيالا تعي ثقافة اللاعنف
إن كنّا نستبشر خيراً بالتحرر من النظام البائد والتخلص من تبعاته وآثاره في كل المجالات، كذلك نستبشر خيراً بدور المنظمات الدولية، والآن المحلية، في مجال حماية الطفولة وجعلها مرحلة آمنة لتنمية بشرية مستدامة، فإننا ننظر لتجارب الدول المتقدمة كنماذج لاقت نتائج حقيقية على صعيد التربية والتعليم.
مثلاً، السويد، كأول دولة حظرت العقاب البدني ضد الأطفال عام 1979 م.
 وكذلك فنلندا بنظامها التعليمي والترفيهي المجاني والمتكامل منذ الطفولة المبكرة؛ فالعبرة ليست بكثافة المنهاج، بل بالتنمية المستدامة، والكل يعرف نتائج هذه المناهج التي يتم تكديسها بعقول أطفالنا ولهذا حديث طويل.
وأيضاً تجارب المدارس التقنية في دول آسيا الشرقية كالصين واليابان وماليزيا وتايوان، لما لها من دور في الاهتمام بدور الطلبة في الصناعة والإبداع وتحفيز العقول والطاقات.
علينا الاستفادة من هذه التجارب وإعادة النظر بمناهجنا وبما يناسب واقعنا ومستقبلنا، وإعادة النظر بتقسيم التعليم بشكله الحالي بين العام والمهني، أو على الأقل بقواعد الدخول في كلا المجالين والاهتمام بهما على حدّ سواء، والاهتمام بالتوازي بثقافة المعلم/ـة كونه/ـها ابن/ة هذا المجتمع، وسبل تطوير معارفه/ها، وإعادة الاعتبار للصحة النفسية وبالقائمين عليها من مرشدين نفسيين واجتماعيين، ولا ننسى إعادة الاعتبار للكتاب والمطالعة والمكتبات الورقية والرقمية.
فبغير ذلك، لن ننشئ أجيالاً قادرة، يكون كلّ فرد فيها متفرّداً مبدعاً، قادراً على العطاء وبناء المجتمع وخدمته، وتعزيز ثقافة الحوار والتفاعل والتشارك، وتنمية المهارات والتواصل والذكاء العاطفي والقدرة على التعبير، وإعطاء الفنون دورها ومساحتها لما لها من أثرٍ على الحرية والإبداع. ولا ننس تعزيز ثقافة القانون وحقوق الإنسان، وجعلها دروساً مقررة وثابتة في مناهج الدراسة، لغرس قيم المواطنة.
فاللاعنف ثقافة علينا اكتسابها وترسيخها في جميع المجالات، لينتصر المجتمع بأفراده، ومن أجل التنمية البشرية المستدامة والتغيير.