في حدثية العنف وثقافة اللاعنف 

 

حازم حلّاق 

3-04-2026

 نعلم أن القرن العشرين كان قرن حروب كبرى ومجازر مهولة، لكنه أيضاً قرن معارف كبرى وفتوحات علمية وثقافية متعددة. على سبيل المثال، أصبحنا نعرف أن النمط الكلاسيكي في البحث العلمي، الذي يقتصر على الظواهر القابلة للدراسة، أي تلك التي تتصف بالتوازن والنظام واللامفاجأة، لا يستطيع أن يبحث إلا في الأنظمة أو المنظومات المغلقة، ويهمّش أو يقصي حالات الانفلات والانقلاب والتحول والانفجار والمفاجأة. 
ثمة ظواهر لامعقولة، أو لنقل إنها تفلت من التفسيرات العقلانية التي لا تنظر إلا إلى الأنظمة المغلقة، فالعالم مليء بالأحداث والظواهر غير القابلة للتفسير، أو التي لم نجد بعد طريقاً لفهمها. كانت هذه الظواهر تعتبر استثناءً أو خللاً في النظام، ولكن بعد الالتفات إلى "لامعقولية الأشياء"، صار الاستثناء هو القاعدة، أو صار محط اهتمام كبير، ولم يعد قابلاً للتفسير من داخل الأجهزة النقدية أو التفسيرية الجاهزة. 
كذلك الحال إذا أردنا أن نفهم العنف، فالعنف ليس دائما عنفاً بنيوياً، أي عنفاً تولده بنى سلطوية ما، ينبثق في العالم من بنية محددة، ولا يخرج عن منطقها ولا يحيد عن غايتها؛ بل إن العنف قد يكون أيضاً حدثاً مباغتاً ولا عقلانياً ومفاجئاً وغير قابل للتوقع، واستثنائياً وانخطافياً، وهو بوصفه كذلك، لا يتم فهمه فقط من داخل الأنساق أو الأنماط التفيسرية الجاهزة كما أشرنا، بل ينبغي الانتباه إلى طابعه اللامعقول وغير القابل للتفسير أيضاً، لذلك فإن المقاربات اللاعنفية يجب أن تلتفت إلى هذا اللامعقول وتعطيه حقه في البحث والتدقيق. 
ما يحصل في سوريا على سبيل المثال، هو بالدرجة الأولى عنف بنيوي ممنهج، تقف خلفه أيديولوجيا محددة، أي رؤيا وترميز للعالم، وموقف سياسي محدد، بل نظرة محددة للسياسة. غير أن الأمر لا يقتصر على هذا النوع من العنف، فثمة عنف منفلت، يتغلغل في قلب المجتمعات السورية، لا يمكن تفسيره بوصفه عفناً بنيوياً ممنهجاً، إنه عنف نلمسه في حركات الناس في الشارع وطرق تعبيرهم وتواصلهم أيضاً؛ عنف خارج عن المألوف، قد ينبثق فجأة من مزاج عدواني لفرد ما، وهو عنف متغلغل في تفاصيل الحياة اليومية. 
بناء عليه، فإن الثقافة اللاعنفية عليها أن تلتفت إلى هذا العنف المنفلت أيضاً، ليس لمحاولة فهمه فقط، بل لإيجاد أو ابتكار آليات حماية منه ومن خطره الطارئ والجذري في آن واحد. والحال أن محاولة فهمه تتطلب من بين ما تتطلب، أن نعيد النظر في جهازنا المفاهيمي كأفراد وجماعات، وأن نعيد النظر، خصوصاً، في المماهاة التي نضعها بين العقل والمنطق والتوازن والنظام والنسق والبنية. 
علينا، بصيغة أخرى، أن نلتفت إلى حدثية العنف، أو إلى العنف بوصفه حدثاً معقداً لا تكفي النظريات الجاهزة لفهمه أو التعاطي معه في كل السياقات. وعلى ثقافة اللاعنف أن تكون، باختصار، ثقافة مغايرة أيضاً من حيث نظرتها وطرق تفسيرها للعالم؛ عليها أن تكون نظرة تغييرية ليس على مستوى الواقع السياسي والاجتماعي فحسب، بل على المستوى المفاهيمي أيضاً.