7-04-2026
ليست مجرد قصة شعر لممثل أو "لازمة" لفظية عابرة، بل هي منظومة أفكار ونهج يتسلل إلى أذهان الشباب ليتحول إلى "ترند" يحكم الشارع العام. الحكاية أعمق بكثير؛ نحن نتحدث عن إعادة صياغة كاملة للمنظومة الأخلاقية والسلوكية التي تُسيّر المجتمعات، وهنا تكمن الخطورة والأهمية في آنٍ واحد.
كمتخصص في المجال الفني والتقني للصوت، أدرك تماماً كيف تُصاغ العواطف في المختبرات الفنية. إن الخطورة لا تكمن فقط في المشهد البصري، بل في "الأدرينالين" الذي تضخه الموسيقى التصويرية الملحمية والمؤثرات الصوتية التي ترافق مشاهد العنف. عندما يُحاط "البطل العنيف" بهالة صوتية تجعله يبدو مهيباً، فإننا نربط -لا شعورياً- بين العنف والنشوة أو العظمة في ذهن المشاهد، مما يجعل ممارسة "اللاعنف" تبدو وكأنها خيار باهت أو ضعيف.
لطالما كانت الأعمال التلفزيونية هي "الخبز اليومي" للشعوب. وفي منعطفات معينة، تحول "الخنجر" واستعراض القوة العضلية إلى رموز حصرية للقوى. ورغم أن السياق الدرامي قد يهدف أحياناً لتصوير الانتصار للحق، إلا أن الرسالة المبطنة التي تستقر في وعي الأجيال هي أن "العنف هو الطريق الأقصر لانتزاع المكانة".
في واقعنا القاسي، نرى كيف تتحول هذه الصور الذهنية إلى أنماط سلوكية ولغة جسد هجومية؛ فعندما يغيب الحوار في العمل الفني ويحل محله الصراخ، يمتص اليافعون هذا الأسلوب كآلية دفاعية. ومن زاوية أخرى، يلعب الإعلام أحياناً دور "المُخدّر"؛ فمن كثرة مشاهد الدمار، حدث ما يسميه علماء النفس "فقدان الحساسية". وصار مشهد الدم خبراً عادياً يمر بجانب فنجان القهوة الصباحي، إن هذا الاعتياد هو العدو الأول لثقافة اللاعنف؛ لأنه يقتل التعاطف ويجعل القسوة جزءاً من نسيج الحياة الاعتيادي.
لكن، لا يمكننا اختزال الشاشة في هذا الجانب المظلم. في المقابل، تبرز دائماً تجارب تحاول التمسك بقيم اللاعنف، حيث نرى أعمالاً تركز على "قوة الكلمة". هل تذكرون المشاهد التي تُعلي من شأن "الحوار" أو "التفاوض" حيث تفكك النزاعات بالمنطق؟ تلك اللحظات هي "المختبر" الحقيقي الذي تُصنع فيه أخلاق الشارع.
عندما تقدم الدراما بطلاً يختار الحوار رغم امتلاكه القدرة على العنف، فهي لا تبيع وهماً، بل تزرع بذرة وعي في عقل شاب قد يكون على وشك اتخاذ قرار طائش. اللاعنف ليس خيار الضعفاء، والدراما ليست مجرد حكاية؛ الرابط بينهما هو "الأنسنة".
الإعلام الذي يحترم إنسانية المشاهد، والدراما التي تتبنى لغة البناء بدلاً من الهدم، هما السبيل الوحيد لترميم الروابط المجتمعية بعيداً عن لغة الرصاص.
في النهاية، "نحن حصاد ما نشاهده". فإذا أردنا شارعاً آمناً، علينا أولاً أن ننظف شاشاتنا من تمجيد "البلطجة" ونستبدلها ببطولة الحكمة والتفاهم.
هل تعتقد أن المشاهد اليوم بات يفضل الأعمال الواقعية القاسية كمرآة لوجعه، أم أنه يبحث عن السكينة والدراما الهادئة كنوع من التعافي النفسي والهروب من ضجيج العنف؟