28-04-2026
إن كنت ممن شاهدوا مسلسل (Bowling for Columbine) فقد تذكر ذلك المشهد عندما يقابل ميشيل مور الشاب جيمس نيكولاس، ذلك الشاب الذي حُبِس أخوه الأصغر جراء مشاركته في تفجير مدينة أوكلاهوما. وبينما يشيد نيكولاس بضرورة استخدام العنف لإسقاط الحكومة، يقاطعه مور مذكراً إياه كيف أن غاندي قد أسقط الحكومة البريطانية دون إطلاق أي رصاصة. ويرد حينها نيكولاس بأنه لا يذكر أي شيء من هذا القبيل.
أذكر وقتها في بيركلي كيف شهق الجمهور مستغرباً من حولي في ذلك المشهد، وكلما سألني أحدهم: "هل يمكن للاعنف أن يفيدنا في هذا الوقت؟" أراني أجيبه بلا تردد: "وهل ينفع أسلوب آخر غيره؟"
والأمر ليس أني لا أعي خطورة المشكلة التي نواجهها، من إذاعات يمينية يقوم ضيوفها ببث تلك الأفكار لملايين من الناس لتنزع عنهم إنسانيتهم، وكيف أن شوارع غزة وبغداد تشهد هذه اللاإنسانية يوماً تلو الآخر. ولست حتى أختلق توقعات عما يمكن أن يحدث لو انتشرت ثقافة اللاعنف في الأرجاء، بل إني متأكد ومتفائل بذلك أيضاً، متفائل بتأثير قوة اللاعنف وكيف تكبر مع الوقت.
وكما يؤكد جواناثان شيل، بأن القوة الغاشمة قد أصبحت عبثية وهشة في النصف الثاني من القرن العشرين، رغم كل الصخب الذي رافقها مدافعاً عنها، وأن قوة الإنسانية، على النقيض، أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى، وهذا هو الأمر الصائب، فها نحن نشهد الموجة الثالثة من نهضة اللاعنف للنهوض بالعالم رغم كل التصعيد الذي شهدناه من جانب العنف.
تمثلث الموجة الأولى بكل من صراع مهاتما غاندي مع النظام الإمبراطوري الفاسد الذي عفا عليه الزمن، و د. مارتن لوثر كينغ جونيور الذي حارب نظاماً مشابهاً سعى لتعزيز العنصرية.
أما الموجة الثانية فقد كانت جملة من الحركات الثورية حول العالم:
في تشيلي قامت حركة لإسقاط الديكتاتور بينوشيه، وفي الفيليبين قامت ثورة "قوة الشعب"، بينما قامت في فلسطين الانتفاضة الأولى، التي رغم إحباط أهدافها ومسارها إلا أنها أدت إلى عقد اتفاقيات أوسلو للسلام.
وفي الجانب الآخر من العالم، قامت عدة انتفاضات هزت عرش الاتحاد السوفييتي في شرقي أوروبا.
ورغم أن عدداً من هذه الثورات كان عنفياً، إلا أن العديد منها اشتمل على اللاعنف، كما في بولندا وشرق ألمانيا وتشيكوسلوفاكيا، حيث ظهر "ربيع براغ" عام 1968 ليحبط قمع حلف وارسو لمدة ثمانية أشهر مجيدة، والتي اختُتمت بتحرر البلاد بـ "الثورة المخملية".
كما ظهرت انتفاضات أخرى لاعنفية في بقاع أخرى من العالم مصاحبةً لحركات أقل طموحاً: كالنضال الذي قاده كادحو لارزاك في فرنسا، في سبعينات القرن الماضي، ضد مساعي الحكومة لتوسيع قاعدتها العسكرية على حساب أراضي الرعي والزراعة.
والحزب الأخضر الذي أقامته الحركة المناهضة للأسلحة النووية في أوروبا، والذي يعد قوة لا يستهان بها في ألمانيا على الأقل.
وكذلك، حركة العمال الريفيين المعدَمين التي قدمت لما يقارب مليون برازيلي أراضٍ وأشكالاً جديدةً من المجتمعات المستدامة ذاتياً.
وفي كل هذه الحركات المتنوعة، اكتشف المضطهَدون أن بإمكانهم تنظيم مقاومة ضد نظام يبدو أنه لا يقهر، ونزع الشرعية عنه في أعين الجمهور، وتسريع سقوطه.
ورغم أن بعض هذه الحركات كانت عنيفة، وأحياناً بوحشية، كما قال شيل، فإن مفتاح انتصاراتها ضد القوة العسكرية الساحقة كان الالتزام بإرادة المجتمع. وهنا اكتشفت البشرية أنه يمكن التغلب على القوة الجسدية بالإرادة.
وفي الوقت نفسه، فإن هذه الإرادة تتطلب ذكاءً واستراتيجيةً. ولهذا بدأت بعض هذه الحركات في تطوير فن لا يمكن المبالغة في أهميته، وهو التدريب على اللاعنف. فكما قال غاندي، فإنه يجب أن يكون تدريب الساتياجراها، أو الناشط اللاعنفي، أكثر صرامة من تدريب الجندي التقليدي. وكذلك قام ناشطو الحقوق المدنية في ستينات القرن الماضي باستخدام ما يسمى "خطوط الإزعاج" "hassle lines" ولعب الأدوار، كأدوات لإشعال فتيل المقاومة وضبط مشاعر الغضب والخوف التي قد يواجهونها خلال مسيراتهم واعتصاماتهم.
إذ ينطلق تدريب اللاعنفيين من استخدام إرادتهم لضبط مشاعرهم وضبط أنفسهم في مواجهة المشاعر الموجهة إليهم، لألّا يثيروا غضب الآخر خلال ممارسة اللاعنف، من منطلق الجنود الذين توجه البنادق نحوهم ليحافظوا على رباطة جأشهم في المعارك.
وهنا بدأت مجموعات مثل Global Exchange وRuckus Society في استخدام هذا التدريب استعداداً لمظاهرات سياتل المناهضة لمنظمة التجارة العالمية في عام 1999، واستفادت من هيكل "مجموعات التقارب" الديمقراطي المرن، الذي ظهر لأول مرة، بشكل مناسب لسياقه، في النضالات المبكرة ضد الفاشية في إسبانيا، وتطور أكثر في الحملات المناهضة للطاقة النووية في الولايات المتحدة الأمريكية.
أما الموجة الثالثة من اللاعنف فها نحن نعيشها الآن ممثَّلةً بالحركة العالمية ضد العولمة المؤسسية، والحركة العالمية ضد الحرب، تلك الحركة التي انبثقت بسرعة مذهلة وفعالية كبيرة لتواجه غرور حكومة الولايات المتحدة الأمريكية موازِنةً لها بالقوى.
وما يميز هذه الموجة هو نطاقها العالمي والملايين الذين وقفوا معها مدركين أهمية هذه القوة البديلة ضد القوة العسكرية، رغم أن هذه الموجة لم تعبر بوضوح تام عن رؤية إيجابية.
فهذا الوعي الناشئ الذي يقوم مع الحركة اللاعنفية باعتبارها القوة الصاعدة مع فشل القوى العسكرية المقاومة، سيجعل العالم أمام خيار لا بد منه، ألا وهو اعتناق مبدأ اللاعنف.
تقويض العنف لنفسه
ما يفعله اللاعنف عند الضرورة هو أنه يجبر العنف على الظهور للعلن، مما يتسبب في تعرض الأنظمة العنيفة لـ "مفارقة القمع"، وزيادة العنف العلني الذي يجب أن تمارسه للحفاظ على السيطرة إلى أن يصبح غير مقبول، بالنسبة للمضطهدين، والمجتمع الذي يجب أن يحافظ على القوة، والعالم الذي يراقب. قد يُنسى مقتل راشيل كوري سحقاً بواسطة جرافة أمريكية الصنع في غزة في مارس الماضي بسبب التركيز على العراق، ولكن الآن تعرض اثنان آخران من الحركة الدولية للتضامن (ISM)، هما براين أفيري وتوم هورندال، لإطلاق النار، لذا فإن العنف نفسه الذي تسبب في هذه الجرائم، خاصة في عصر الانفتاح على العالم، سيثبت أنه سبب هلاكه.
تظهر قوة اللاعنف الآن بشكل ملحّ، حتى في الأماكن التي يبدو أن حركات المقاومة قد فقدت بوصلتها فيها. إذ تتبادر إلى الذهن صورة من الاحتجاجات الأخيرة في سان فرانسيسكو، عندما تصاعد التوتر على طول شارع حيث كان عدد قليل من متظاهري "الكتلة السوداء" يستفزون الشرطة، مما أثار استياء غالبية المتظاهرين. لم يلاحظ أحد في بادئ الأمر وجود راهب بوذي يقف خلف الحشود، لكنه تقدم ببطء (على الرغم من خوفه الشديد، كما علمت لاحقاً) ووقف، بشخصيته الدرامية بردائه الأصفر ورأسه الحليق، أمام كل شرطي على حدة، مبتسماً له أو لها ومنحنياً بيدين مطويتين. حتى قبل أن يصل إلى الضابط الآسيوي الذي رحب به بدوره دون قصد، كان التوتر قد تلاشى.
وفي صميم العمل اللاعنفي تكمن قوة الفرد، الذي عبرت عنه الأم تيريزا كنموذج للثورة بصيغة بنغالية، "ek ek ek" "واحداً تلو الآخر". ومن خلال وصفي لنمو مؤسسات اللاعنف اكتشفت أنه يمكن تصميم المنظمات بحيث تستخرج طاقة وإبداع الفرد، بدلاً من قمعهما كعجلات في آلة المؤسسة. فهذه هي الديمقراطية بأسمى معانيها.
ومن بين الهياكل التي تعتمد على قوة كل فرد هي "قوة السلام اللاعنفي" (التي كتبت عنها مجلة YES! خريف 2002)، التي تخطط لتشكيل جيش دولي لاعنفي.
ولا تزال حركة التضامن الدولية مع فلسطين (ISM)، رغم وفاة بعض أعضائها، تثبت قوة الشجاعة الأخلاقية والرؤية الواضحة. فكما قالت جينيفر كويبر، التي كانت في فلسطين مع حركة التضامن الدولية مع فلسطين (ISM) عندما وقعت عمليات القتل الأخيرة للأجانب: "نحن لا نحارب العنف فحسب، بل نناضل من أجل رؤية بديلة للعالم. عالم يرفض الأسلحة لصالح العقل والقلب. إذا لم نستطع تخيل هذا العالم، فكيف يمكننا خلقه؟ إذا لم نخلقه، فكيف سنحول أحلامنا إلى حقيقة؟ إذا لم نفعل ذلك نحن، فمن سيفعله؟"
وداعماً لذلك نرى في قصة أمريكية محلية أصبحت شائعة مؤخراً أن جداً يخبر حفيده أن ذئبين يتصارعان داخله؛ أحدهما شرس ومدمر، والآخر لطيف وقوي. وعندما يسأل الطفل بقلق: "جدي، أيهما سيفوز؟" يجيب: "أيهما أطعمه".
أثارت حركات غاندي وكينغ القوة الكامنة لدى المضطهدين، مما أدى إلى موجة من الانتفاضات ضد أنظمة معينة. وبمرور الوقت، انتشر الوعي بهذه القوة في جميع أنحاء العالم، وانتشر بسرعة أكبر مع تطور وسائل الاتصال، حتى وصلنا الآن إلى وعي عالمي باللاعنف والترابط بين المشاكل العالمية، وهو ما أسميه "الموجة الثالثة" التي تمثل لنا أملاً وتحدياً معاً. فإذا كانت الموجتان الأوليان قد أظهرتا أن المجتمعات المتحدة في إرادتها يمكنها التغلب على القوة الغاشمة، فإن الموجة الثالثة تظهر رؤية مثيرة لما يمكن أن يحققه المجتمع العالمي بأسره، متحداً في إرادته.
فكما قال روبرت مول: "لا توجد قوة عظمى واحدة في العالم اليوم، بل اثنتان: الولايات المتحدة العسكرية من ناحية، وملايين الناس العاديين، بمن فيهم العديد من الأمريكيين، الذين يتوقون إلى تكريس طاقاتهم من أجل مستقبل إنساني.
أيهما سيفوز؟ النزعة العسكرية، بأجندتها الإمبريالية المقنعة بشكل واضح، أم قوة الإرادة والوعي الإنسانيين الناشئة؟ الخوف أم الحب؟ إذا غذينا الوعي الجديد بالعمل اللاعنفي، ببعده الروحي، وتركيزه على تمكين الأفراد، وأشكاله الشعبية للتنظيم، والمعرفة بأن كل واحد منا يمتلك ما أسماه غاندي "أعظم قوة أنعم الله بها على البشرية"، فلا شك أن الحب هو الذي سينتصر".
كتابة: مايكل ن. ناغلر
المصدر:
LINK