أدوات الإنتاج الإعلامي والدرامي والتضييق على النضال اللاعنفي في النزاعات

 

أنور ناصر الدين

5-04-2026

حول بردى المريض، وعلى امتداد أذرعه من أوّل السيوف الدمشقية الرصينة إلى أقاصي الفرات حيث بلاد الخليفة والتابعين! تعيش مُجتمعاتنا حالة من الفوضى الهستيرية على الصعيد الاجتماعي والمعيشي والتربوي والسياسي والتجاري! 
بقراءة عميقة للواقع، سنجد الكثيرَ من العناوين الدالّة على تمترس أدوات الإنتاج الإعلامي والدرامي كخط دفاع أول عن الجهة التي تتبع لها. تتجلى هذه التبعيّة بقيامها بعمليات تجميل لهذه العصبة السياسية أو تلك، في حين أنها تصدّر نَفسها كسلطة مستقلة أو طرفاً محايداً. بينما هي، في الحقيقة، تُعقّد الصراعات وتُضيّق سُّبل التوافق الآمنة. وفي المقابل، نجد الكثير من الإعلاميين الذين رفضوا -على حد تعبيرهم- الإنصياع لمختلف أشكال المؤسسات الإعلامية ورحلوا صوب فكرة إنشاء منصات خاصة على مواقع التواصل بوصفها منصة إعلامية حرّة مستقلة. 
هنا وفي المقام الأول، يتوجب علينا أن ننتقد أنفسنا: لماذا نسمي المنصة التي تتوافق مع اتجاهاتنا السياسية، مؤسسة حرّة؟! على الرغم من أنها لا تتوافق مع أهدافنا الإنسانية كشعب مُستباح! ألا يدافع هذا الإعلامي أو ذاك عبر منصته عن تياره أو جماعته ويغض الطرف في الكثير من الأحيان عن تجاوزاتها وانتهاكاتها لجماعات أخرى رافعاً شعار الحق والحرية ووحدة الشعوب!! ألا يستخدمون الشعب بذلك، كمادة دسمة لجلب المشاهدات الربحية؟ ثم كيف نصنّفها مؤسسة حُرّة ونقول إن الإعلام مُسيّس؟ 
ببساطة نسبة كبيرة من المؤسسات الإعلامية اليوم تُمارس مهنتها كما كانت عليه في العصور القديمة حين استخدم البعض من الشعراء بَعضَ أشعارهم كمرآة تزيّف الواقع فتعكس حياة ورديّة، تُمجّد صورة الملك وتُشرعن سلطته مقابل حفنة من المال.
ومع ذلك، فان ما سبق من تناقضات يستدعي أن نطرح مجموعة من الأمور:
أَليسَ من الضروري مساءلة جميع الوسائل الإعلامية بلا استثناء بحكم أنها شريكة في استمرار الأزمات وتوسيع رقعة الصراع مُدّعية أنها مؤسسة مستقلة حيادية؟! 
ولا أقصد هنا تعميماً جائراً، فبالطبع تجد أفراداً يمارسون مهنة الإعلام بكل نزاهة سواء في المؤسسات التقليدية أو على منصات التواصل الاجتماعي، لكن هذه الممارسة الحرة للمهنة ليست مِنّة ولا تُسقط المساءلة عن أحد. 
وأيضاً: ألم تلعب شريحة واسعة من الوسائل الإعلامية دوراً مباشراً في تضليل الرأي العام مُستغلة الفقر المعرفي لنسبة كبيرة من جمهورها؟  ألم تساهم أيضاً في إعادة تقديم أطراف متورطة في النزاع بوصفها «وسطاء خير»، عبر خطاب يغلّف المواقف العنفية بِلغة رقيقة تخدم مسارات مُعينة.
وفي تساؤل آخر: هل وظيفة الإعلام الأساسية بكل أشكاله تقتصر على نقل الحدث وملاحقة الخبر؟ وهل تكتفي بنقل الحدث أم تصنعه؟!  هل مهمتها بث الثنائيات الحادة التي تفتقر لأي جدوى أو سبيل لتقارب المتخاصمين وجمعهم في هوية إنسانية واحدة؟ وهل من مهامها ارتداء الثوب المخمليّ وطرح عناوين الأخبار بصيغة تلائم مسارها؟ 
إن أخلاقيات المهنة تملي على أي ممارسة إعلامية وخاصة في الأزمات الإنسانية، أن يكون هدفها تحقيق التوافق بين الغاية والعمل، وهذا ينسجم مع كون الإعلام صوتاً للحق وأن يتمسّك بالمسار اللاعنفي ويُبقي أبوابه مفتوحة بأمانة أمام الأصوات الحرة التي تنادي باللاعنف بكل صدق بغية إنهاء الصراع الدموي مهما كبر. فالكلمة إذا اجتمعت عليها الشعوب تكون أقوى من الرصاص. أليست هذه هي مبادئ المهنة المتمثلة بالمسؤولية الاجتماعية وعدم التحريض!
على الإعلام أن يخلق للجمهور فضاءات حوارية ثقافية ومحاضرات توعية سلوكية اجتماعية تمنح المتلّقي أدوات قراءة نقدية تُمكنّه من فهم ما يحدث، باعتباره يهدد الوجود الإنساني في ظل استمرار النزاع الناري. وهذا أيضاً من الواجبات المهنيّة للإعلام. 
بالتالي وانطلاقاً من مساءلة الفضاءات الإعلامية، نسأل:
لو كان الإعلام يمارس استقلاله المهني ومسؤوليته النقدية بشفافية مطلقة، ألم يكن قادرًا - على سبيل المثال لا الحصر على إعادة توجيه النضال الفلسطيني نحو استراتيجيات لاعنفية أكثر فاعلية من أجل تحصيل حقوقه، عبر تفكيك آليات العنف وإضاءة حقول النضال المدني والتجارب اللاعنفية التاريخية والحديثة؟
وفي السياق السوري، قبل وبعد سقوط النظام وسقوط حزب البعث، يبرز السؤال ذاته: هل كان الإعلام يمارس دوره بوصفه فضاءً لتشكيل وعي نقدي تحرري جامع يفتح آفاق العمل اللاعنفي؟ أم أنه انخرط في إعادة إنتاج منطق الصراع نفسه؟ 
وإذا كان الإعلام الإخباري يعمل على مستوى الحدث الآني، فإن بعض الأعمال الدرامية تمارس فعلًا أعمق.
فهناك جهات تستغل الأعمال الدرامية لتسهم في إنتاج ذاكرة عنفيّة بدلاً من تمثيل نصوص تُعرّف المعنى الأخلاقي للفعل بما يناسب هذا العصر.
 ونذكر هنا، على سبيل المثال، استغلال مسلسل الزير سالم، حيث تجد حجج تُشرّع مفهوم الثأر الأعمى والإنتقام وسفك الدماء، مقابل تغييب مشاهد تنشر القيم العربية الأصيلة كالإغاثة والتآخي والرحمة والتضحية والحماية — كما في مشهد وائل بن ربيعة (كليب) حين ذهب إلى "لبيد" عامل الملك الكندي للبحث في أمر الجزية المفروضة عليهم! 
ما نحتاج نشره اليوم هو هذه القيم الأصيلة، من أجل تقليص السلبيات الموروثة وتوسيع دائرة الإيجابيات، حتّى نُحيي روح الإنتماء الإنساني ونخرج من أي انتماء آخر. 
ختاماً، أَود التشديد على أن مساءلة الإعلام والدراما ضرورة معرفية تُغني النضال اللاعنفي وتجعله أكثر اتزاناً في مواجهة الإقصاء، بالتالي تصبح المسارات اللاعنفية أكثر فعالية لتحقيق العدالة وتحصيل الحقوق.