نحو جيل لا يحمل ذاكرة الخوف

 

وفاء شركاوي

6-04-2026

لكل إنسان في هذا العالم حلم أو هدف، لكننا كسوريين تشاركنا عبر سنوات طويلة حلماً واحداً: أن نرى بلداً آمناً وعادلاً، بلداً يُنبت جيلاً واعياً لا يحمل في ذاكرته الخوف، بل المعرفة والكرامة. لم يكن حلمنا يوماً مجرد النجاة، بل بناء وطن يبدأ من المدرسة ويشبه المستقبل الذي نطمح إليه.
في سوريا، تركت سنوات القمع أثراً عميقاً في النفوس، ولم تكن المدرسة بمنأى عن ذلك الأثر. بالنسبة لكثير من الأطفال، ما تزال المدرسة مكاناً يقترب من صورة الثكنة أكثر مما يشبه فضاءً آمناً للتعلّم. إن مشاهد الضرب والإهانة، التي تظهر أحياناً في مقاطع مصوّرة أو تُروى شهاداتها من داخل بعض الصفوف، لم تفتح جرحاً قديماً فحسب، بل كشفت أيضاً عن حاجة ملحّة لإعادة التفكير في معنى التربية ودورها. فالقرار الرسمي بمنع الضرب، على أهميته، لا يكفي وحده ما لم يُرافقه تحوّل حقيقي في الثقافة التربوية نفسها؛ تحوّل يُعيد تعريف العلاقة بين المعلّم والطالب، وبين المدرسة والأسرة.
وهنا، تبرز التربية اللاعنفية بوصفها نهجاً أخلاقياً وتربوياً بديلاً، فهي لا تعني الفوضى أو غياب الانضباط، بل تعني أن الانضباط يُبنى على الاحترام لا على الإذلال، وعلى الشعور بالأمان لا على الخوف.
في التربية اللاعنفية يُسمح للطفل أن يخطئ ويتعلّم، لا أن يُعاقَب كما لو أنه ارتكب جُرماً، ويُنظر إلى الخطأ كفرصة للفهم والنمو، لا كذريعة للعقاب.
لا يقتصر هذا النهج على الطفولة المبكرة، بل يشمل أبناء التعليم الأساسي وما فوق، ممن يبدأون بتكوين وعيهم الاجتماعي وفهم علاقتهم بالسلطة وبالطاعة، وبحقهم في السؤال والاعتراض.
كما تلعب الأسرة دوراً محورياً في ترسيخ هذا النهج، فهي البيت الأول الذي تتشكّل فيه شخصية الطفل، تماماً كما تُعدّ المدرسة بيته الثاني. فإذا كانت المدرسة مسؤولة عن صقل المعرفة، فإن العائلة مسؤولة عن بناء الشعور بالأمان والانتماء.
إن الطفل الذي ينشأ في بيئة أسرية تحترم صوته وتُعلّمه تحمّل المسؤولية دون ترهيب، يكون أكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع المدرسة والمجتمع. كما يكتسب قدرة أكبر على بناء علاقات صحية داخل المجتمع. فالتربية اللاعنفية داخل الأسرة لا تحمي الطفل فقط، بل تُسهم في بناء فرد متوازن نفسياً وسلوكياً، قادر على احترام ذاته والآخرين، وعلى التعلّم بثقة واستقلالية.
أما غياب هذا التوازن، فيُنتج ذاكرة نفسية مثقلة بتجارب متناقضة بين الخوف والرغبة في التمرّد. مما ينعكس لاحقاً على علاقة الطفل بالتعليم، ويُضعف فهمه الصحي للانضباط والسلطة، بوصفهما مسؤولية وتنظيماً لا قهراً وإخضاعاً.
حتى لا تبقى مبادئ اللاعنف مجرد شعارات، بل تتحول إلى ممارسات يومية داخل البيئة التربوية، لا بدّ من خطوات عملية واضحة: إذ ينبغي على مستوى المدرسة اعتماد سياسات تربوية تمنع العقاب الجسدي والنفسي، وتُطبّق أساليب التأديب الإيجابي، مع توفير مرشدين تربويين ودعم نفسي للطلاب.
وعلى مستوى المعلّمين، تبرز أهمية تدريبهم على مهارات التواصل اللاعنفي، والإصغاء الفعّال، وإدارة الصف بأساليب تحترم كرامة الطالب وتُعزّز ثقته بنفسه.
أما على مستوى الأسرة، فيتطلب الأمر توعية الأهل بآثار العنف التربوي بعيدة المدى، وتشجيعهم على أساليب التربية القائمة على الحوار والاحتواء، وتحميل الطفل مسؤولية أفعاله دون إهانة.
على صعيد السياسات التربوية، يصبح من الضروري إدماج مبادئ حقوق الطفل واللاعنف في المناهج التعليمية، ووضع آليات متابعة ومساءلة تضمن حماية الأطفال داخل المؤسسات التعليمية.

إن الاستثمار في ثقافة اللاعنف والمسؤولية الاجتماعية هو طريق حقيقي للنهوض. كما أثبتت تجارب شعوب عديدة، فاليابان، على سبيل المثال، استطاعت بعد أزمات مدمّرة أن تبني مجتمعاً متماسكاً من خلال التربية على الانضباط الواعي، واحترام الفرد، ونبذ العنف، ما جعل المدرسة إحدى أهم روافع نهضتها.
اللاعنف، ثقافة مجتمعية تبدأ من البيت، وتُترجم في الصف، وتُثمر في الشارع. إن تبنّي هذا النهج هو جزء من سعينا لأن نكون مجتمعاً سوياً، تُبنى علاقاته على المسؤولية والاحترام المتبادل لا على الخوف والقهر.
حين يتربّى الطفل على أن الخطأ لا يُقابل بالإذلال بل بالتفهّم، يتعلّم تلقائياً كيف يُعامل الآخرين باحترام. وحين يرى في المعلّم نموذجاً للحوار لا للقمع، فإنه يُعيد إنتاج هذا النموذج في علاقاته المستقبلية.
وكما تنص المعايير الدولية لحماية الطفل، فإن لكل طفل الحق في التعلّم ضمن بيئة خالية من العنف، وأن يُعامل بكرامة، وأن يُشارك في القرارات التي تمس حياته.
إن بناء جيل لا يحمل ذاكرة الخوف ليس حلماً مثالياً أو بعيد المنال، بل حق أصيل ومسؤولية مشتركة. وهو الأساس لبناء مستقبل أكثر عدلاً وسلاماً، يبدأ من طفلٍ يشعر بالأمان، ويكبر ليكون مواطناً قادراً على بناء وطن يليق به.