الإعلام الواعي بالصدمة: ما هو، ولماذا هو مهم، وكيف يمكن ممارسته

 

هيا سمعان 

29-03-2026

تشير الصحفية نسيم ميلر، التي غطّت الصحة والأخبار المتعلقة بالصحافة والضحايا لسنوات طويلة، إلى أن تبني نهج الصحافة الواعية بالصدمة أصبح ضرورياً لإنتاج تغطيات دقيقة ومسؤولة، وحماية الأشخاص الذين مرّوا بتجارب صادمة من أي ضرر إضافي نتيجة التغطية الإعلامية. هذا النهج، الذي بدأ أولاً في مجالات الطب والتعليم، يُطبّق حالياً في الصحافة، مع إدراك أن الصدمة شائعة وأن كثيرين قد تعرضوا لتجارب مؤذية جسدياً أو عاطفياً في حياتهم.
في هذا المقال الذي يحمل عنوان "الإعلام الواعي بالصدمة: ما هو، ولماذا هو مهم، وكيف يمكن ممارسته" نقدم ترجمة سياقية لأهم ما ورد في المقال لفهم أعمق لمفهوم الإعلام الواعي بالصدمة:

يقول خبراء وصحفيون عملوا مع ناجين من الصدمات النفسية إن تبنّي نهج الإعلام الواعي بالصدمة لا يؤدي فقط إلى إنتاج قصص صحفية أكثر دقة وجودة، بل يساعد أيضاً في حماية الناجين من التعرض لأذى نفسي إضافي.
ربما سمعت مصطلح "النهج الواعي بالصدمة" في مجالات مثل الرعاية الصحية أو التعليم، ومؤخراً في الصحافة. وبشكل عام، يعني هذا النهج إدراك أن الصدمات النفسية شائعة، وأن كثيراً من الناس قد مرّوا بتجارب صادمة في مرحلة ما من حياتهم.
بدأت الممارسات الواعية بالصدمة في مجال الطب، بعدما بدأ المجتمع الطبي يفهم بشكل أعمق طبيعة الصدمة النفسية واضطراب ما بعد الصدمة. ومع مرور الوقت، انتقل النقاش حول هذا النهج إلى مجالات أخرى مثل التعليم والقانون.
أما في الصحافة، فيُعد مصطلح الإعلام الواعي بالصدمة حديث نسبياً، رغم أن تغطية الأحداث الصادمة — مثل الكوارث الطبيعية، والحرائق، والاعتداءات الجنسية، وجرائم القتل، وإطلاق النار الجماعي، والحروب — كانت دائماً جزءاً من عمل الصحفيين.
توضح الصحفية تمارا تشيري، التي عملت مراسلة لشؤون الجرائم لما يقارب خمسة عشر عاماً، أن مفهوم الإعلام الواعي بالصدمة قد يختلف من شخص لآخر. وهي مؤلفة كتاب "نبض الصدمة: الضحايا والناجون والصحفيون الذين يروون قصصهم".
وتقول تشيري: إن الإعلام الواعي بالصدمة يعني أن يفهم الصحفي طبيعة الصدمة، وأن يدرك ما الذي قد يمرّ به الناجي قبل أن يطرق بابه لإجراء مقابلة، وأن يكون واعياً لتأثير تصرفاته الصحفية على هذا الشخص بعد انتهاء المقابلة ونشر القصة.
كما يشمل هذا النهج خلق بيئة آمنة ومتوقعة للمصادر، والتخلي عن بعض القواعد التقليدية في المقابلات الصحفية. فالمقابلات مع الناجين من الصدمات تختلف عن مقابلات المسؤولين أو السياسيين، ويجب التعامل معها بحساسية مختلفة.
أصبحت النقاشات حول الإعلام الواعي بالصدمة أكثر انتشاراً في السنوات الأخيرة، نتيجة مجموعة من العوامل، من بينها جائحة كوفيد-19 وازدياد العداء تجاه الصحفيين.
وتشير الباحثة إيلانا نيومان، مديرة الأبحاث في مركز دارت للإعلام والصدمات، إلى أن هذه الظروف جعلت من الواضح أن الصحفيين يحتاجون إلى فهم أعمق للصدمة النفسية كي يتمكنوا من أداء عملهم بشكل أفضل ورواية قصص أكثر دقة.
فهم تأثير الصدمة على الدماغ والذاكرة
تعرف إدارة الخدمات الصحية والعقلية الأمريكية الصدمة بأنها تجربة أو سلسلة من الأحداث التي تسبب ضرراً جسدياً أو نفسياً شديداً للفرد، وقد تترك آثاراً طويلة الأمد على صحته النفسية والجسدية والاجتماعية.
يمكن للصدمة أن تؤثر بشكل كبير على إدراك الشخص للأحداث وحكمه عليها، ففي اللحظات الصادمة قد يدخل الدماغ فيما يُعرف بـ "وضع البقاء"، حيث يتغير سلوك الإنسان وطريقة تفكيره فجأة.
ولهذا السبب غالباً ما تكون شهادات شهود العيان في الأحداث الصادمة غير دقيقة بالكامل، وحتى الصحفيون أنفسهم قد يخطئون في لحظات التوتر والانفعال الشديد.
تؤثر الصدمة أيضاً في الذاكرة وفي قدرة الشخص على التعبير عن تجربته بالكلمات، ففي أعقاب الكارثة مباشرة، قد يطلب الصحفيون من الناس رواية قصصهم، في حين أن كثيراً منهم لا يكونون قادرين فعلياً على القيام بذلك.
وتشير تشيري إلى أن ما يرويه الشخص في تلك اللحظة قد لا يكون سوى النسخة التي يستطيع دماغه استحضارها في تلك الحالة. أما بعد مرور أشهر، عندما يهدأ تأثير الصدمة، فقد يصبح قادراً على سرد القصة بدقة أكبر.
توضيح الموافقة المستنيرة للناجين
في التغطية الواعية بالصدمة، تعني الموافقة المستنيرة أن يعرف المصدر طبيعة القصة الصحفية وكيف سيتم استخدام شهادته، وأن يوافق بوضوح على ذكر اسمه أو نشر تجربته.
ورغم أن هذا الإجراء جزء من الممارسة الصحفية التقليدية، فإن الإعلام الواعي بالصدمة يقتضي توضيحه بشكل أكبر من المعتاد.
تنصح الصحفية أليس وايلدر بعدم افتراض أن المصادر تفهم مصطلحات صحفية مثل "على السجل" أو "خلفية". لذلك ينبغي للصحفي شرح هذه المصطلحات بوضوح، وبيان كيف سيتم تعريف المصدر أو عدم تعريفه في القصة.
كما يُفضّل منح المصادر فرصة مراجعة اقتباساتهم أو حتى تغيير رأيهم بشأن الظهور في القصة قبل نشرها.
وقد طبّقت تشيري هذا النهج أثناء إعداد كتابها، إذ سمحت لأكثر من مئة ناجٍ من الصدمات بمراجعة المقاطع التي تتضمن قصصهم للتأكد من دقة الرواية واستمرار موافقتهم على نشرها.
منح الناجين قدراً من السيطرة أثناء المقابلة
يتلقى الصحفيون تدريباً تقليدياً على عدم السماح للمصادر باختيار الأسئلة التي سيجيبون عنها أو الاطلاع على الأسئلة مسبقاً. لكن عند مقابلة الناجين من الصدمات، يمكن كسر هذه القاعدة.
من المهم أن يعرف المصدر أنه يملك قدراً من السيطرة على المقابلة، وأنه غير ملزم بالإجابة عن الأسئلة التي لا يشعر بالاستعداد للإجابة عنها.
ومن بين النصائح التي يقدمها مركز دارت للإعلام والصدمات للصحفيين عند مقابلة ضحايا الصدمات:
التعامل مع الضحايا دائماً بكرامة واحترام.
التعريف بالنفس بوضوح.
تجنب قول "أفهم ما تشعر به".
عدم البدء بالأسئلة الأكثر صعوبة.
ترك وسيلة اتصال في حال أراد المصدر الحديث لاحقاً.

كما ينصح الخبراء بعدم طرح السؤال الصحفي الشائع: "كيف تشعر؟" فهذا السؤال غالباً ما يراه الناجون مزعجاً وغير مناسب. وبدلاً منه يمكن طرح أسئلة مثل:
كيف تعيش هذه التجربة الآن؟
كيف مررت بهذا الحدث؟
ما الذي تتذكره عنه؟
كما يُفضّل استخدام أسئلة مفتوحة، والسماح للمصدر باختيار نقطة البداية في سرد القصة.
التخطيط المسبق للمقابلات
عند مقابلة ناجٍ من الصدمة، ينبغي التفكير في كيفية رعايته قبل المقابلة وأثناءها وبعدها.
من الأفضل السماح للمصدر باختيار مكان المقابلة ليشعر بالأمان. كما يجب إبلاغه مسبقاً بالأسئلة التي قد تُطرح، وسؤاله إن كانت هناك مواضيع يفضّل تجنبها.
خلال المقابلة، ينبغي الانتباه إلى ما إذا كان المصدر يعيد عيش التجربة المؤلمة، وإتاحة الفرصة لأخذ استراحة عند الحاجة.
وفي نهاية المقابلة، يُنصح بشكر المصدر وإخباره بكيفية استخدام شهادته ومتى يمكن أن يتوقع نشر القصة.
الانتباه إلى الصحة النفسية للصحفيين
لا تؤثر القصص الصادمة على الضحايا فقط، بل يمكن أن تؤثر أيضاً على الصحفيين الذين يغطونها.
تشير دراسات نقلها مركز دارت للإعلام والصدمات إلى أن ما بين 4% و59% من الصحفيين قد يعانون أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، تبعاً لطبيعة عملهم.
ومن علامات التأثر النفسي:
صعوبة التركيز.
الشعور الدائم بالتوتر أو الخدر العاطفي.
فقدان القدرة على التعاطف مع المصادر.
الأرق.
الغضب أو الإفراط في شرب الكحول.
ومن بين نصائح العناية الذاتية للصحفيين:
معرفة حدودك المهنية والنفسية.
أخذ فترات راحة.
التحدث مع صديق أو زميل موثوق.
ممارسة الرياضة أو الهوايات وقضاء الوقت مع العائلة.
طلب المساعدة المهنية إذا أصبح الضغط شديداً.

وفي السياق السوري اليوم، يصبح اتباع نهج الإعلام الواعي بالصدمة أمراً بالغ الأهمية، خصوصاً عند تغطية النزوح، القصف، فقدان الأقارب، أو التعرض للعنف.
غالباً ما يكون الناجون عاجزين عن سرد تجربتهم بدقة فور وقوع الحدث، لذا يسمح هذا النهج للصحفيين بتقديم روايات دقيقة وموثوقة تحترم الحالة النفسية للأفراد، وتقلل من إعادة إنتاج الصدمات الإعلامية، وفي الوقت نفسه توازن بين نقل الحقيقة وحماية المصادر.

المصدر:

https://journalistsresource.org/home/trauma-informed-journalism-explainer/?utm

https://www.sarhne.com/messages.html