9-03-2026
تُقَدَم مسألة الحوار، عندنا، بوصفها نقيضاً مباشراً للعنف، لكنها في الواقع أكثر تعقيداً من مجرد ذلك. فالحوار لا ينشأ تلقائياً بين أطراف متنازعة، بل هو يفترض حدّاً أدنى من الاعتراف المتبادل بين الأطراف، وقبولاً مبدئياً بأن الحقيقة ليست ملكاً حصرياً لطرف واحد، ويكون من غير المنطقي مَنح أحد المتحاورين صفة الصواب النهائي أو الحل النهائي، منذ البداية. ومن هنا، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في تعريف الحوار، بل في الشروط التي تجعله ممكناً، وفي تحديد الحالات التي يصبح فيها مستحيلاً أو عديم الجدوى.
كما أن من ينجح في إثبات خطأ الآخر أو دحض حجته، لا يكون قد برهن على إطلاقية صواب موقفه، بل إنه يتمتع فقط بتفوق مؤقت داخل النقاش، إلى أن تُطرح حجة جديدة قد تقلب الموازين. هكذا يعمل المنطق داخل الحوار: كأداة لتنقية الخطاب من التناقضات، لا كوسيلة لإلغاء الآخر أو إسكاته.
قد يسأل أحدهم: لماذا يقبل الإنسان أن يدخل في حوار قد يُهزم فيه فكرياً؟ الجواب بسيط وخطير في آن واحد: لأن البديل الوحيد عن الحوار هو العنف، إذا استبعدنا خيار الصمت والانقطاع الكامل عن التواصل. فعندما تختلف الآراء، يوجد طريقان: إما محاولة الوصول إلى تفاهم، أو الانزلاق إلى الصراع. ولا يعني الصراع المواجهة الجسدية فقط، بل يشمل أيضاً الإقصاء الرمزي، والتخوين، ونفي الآخر من المجال العام.
إن رفض الحوار لا يؤدي إلى اختفاء الرأي المخالف، وإنما إلى اختفاء من يحمله، وهذا هو جوهر العنف. لذلك، إذا لم نقبل بمنطق الإلغاء، يصبح الحوار ضرورة لا خياراً، خاصة حين تتعلق القضايا المطروحة بمصير المجتمع، والتغيير أو الثبات، والصراع بين التقليد والتجديد. فهذه ليست نقاشات نظرية عابرة، بل مسائل تمس شكل الحياة نفسها.
الحوار الحقيقي ليس لعبة ذهنية أو تمريناً لغوياً، بل هو نقاش حول الكيفية التي يجب أن نعيش بها معاً. وهو لا يمكن أن يتم إلا بين أفراد يشتركون في حد أدنى من القيم والمعايير التي تسمح لهم بفهم بعضهم بعضاً. هؤلاء لا يختلفون على الأساسيات، بل على التفاصيل، ويسعون عبر الحوار إلى توضيح مواقفهم وصياغة حلول مشتركة. وهم يقبلون الحوار لأنهم حسموا خيارهم مسبقاً ضد العنف.
في الحالة السورية، تَميّعت مسألة الحوار. لم تكن سنوات الصراع مجرد مواجهة عسكرية، بل صداماً عميقاً بين تصورات متناقضة للحياة، والهوية، والسلطة، والمجتمع. ومع تصاعد العنف، تراجع منطق الحوار لصالح منطق الإقصاء، حيث لم يعد الهدف إقناع الخصم، بل سحقه ونفيه، جسدياً أو رمزياً، فتحول العنف من وسيلة استثنائية إلى لغة سائدة، وصار الحوار علامة ضعف أو ترفاً غير واقعي.
ما يجري حالياً هو أن من يَحكم لا يعرف إلى الحوار طريقاً، وقد اتجه إلى فرض منطق الغلبة والإقصاء بواسطة العنف. وهذا الأمر، مهما طال، لا يحسم الخلافات المعقدة والمركبة بين السوريين. فهو قد يفرض واقعاً مؤقتاً، لكنه لا يبني توافقاً، ولا ينتج شرعية، ولا يخلق مجتمعًا قابلاً للاستمرار. ومن هذا المنطلق، يبرز الحوار كضرورة تاريخية، لا كخيار مثالي، شرط أن يُفهم بوصفه عملية تهدف إلى إدارة الاختلاف، لا إنكاره والذهاب إلى رفضه حد الإبادة والمجزرة!
إن غياب الحوار السياسي والثقافي الواسع هو أحد الشروط التي تسمح بنمو التطرف. فحين تُغلق قنوات التعبير، ويُقمع الاختلاف، ويُختزل المجتمع في صوت واحد، يصبح العنف بديلاً عن الخطاب، ويجد الإرهاب بيئة خصبة للتمدد.
من هنا، تبدو المهمة الأساسية في الحالة السورية هي إعادة الاعتبار للحوار بين السوريين أنفسهم، بوصفه فعلاً ثقافياً قبل أن يكون سياسياً. حوار يعترف بتعدد التجارب والآلام، ويرفض منطق التخوين، ويميز بين الخلاف المشروع والعنف المدمر. فالحوار لا يُمارَس مع من يرفض الإنسانية، لكنه يُمارَس من أجل حماية المجتمع من التحول إلى فضاء عنيف مغلق، كما تروج لذلك السياسات العالمية قبل المحلية من ترامب وصولاً إلى الشرع.