العنف واللاعنف في الدراما السورية

 

هناء خضر

25-03-2026
كيف يمكن إعادة تخيّل اللاعنف كقوة لا كضعف

لطالما كانت الدراما السورية مرآة حساسة لتحولات المجتمع، عبر التقاط تفاصيل الحياة اليومية وتحويل الحكايات الصغيرة في الأزقة والبيوت إلى قصص تمس جمهوراً واسعاً؛ لكن مع دخول البلاد سنوات النزاع الطويلة، تغيّرت طبيعة القصص التي تُروى على الشاشة، وأصبح العنف حاضراً بوصفه لحظة الذروة الدرامية التي يتكثف فيها التوتر وتُحسم فيها المواقف، وبقيت أشكال الفعل اللاعنفي هامشية في السرد، أو ظهرت كفواصل قصيرة بين مشاهد أكثر صخباً.
دراما أكشن
الميل للعنف ليس خاصاً بالدراما السورية وحدها، فالسرد البصري عموماً ينجذب إلى اللحظات الحادة: المواجهة، الانفجار، والصدام، وهذه اللحظات تبدو درامية بطبيعتها لأنها تقدم صورة مباشرة للفعل، أما اللاعنف، فيظهر أقل إثارة في ظاهره، لأنه يقوم في الغالب على التفاوض وضبط النفس والعمل الجماعي البطيء، لكن هذه المفارقة تطرح سؤالاً أساسياً: هل العنف هو الشكل الوحيد الممكن لتمثيل القوة درامياً؟ أم أن المشكلة تكمن في الطريقة التي تعرّف بها الدراما مفهوم القوة؟
في كثير من الأعمال التي تناولت سنوات النزاع، يظهر العنف بوصفه الخيار الحاسم: شخص يواجه خصمه، سلاح يُرفع، مواجهة تُحسم في لحظة، هذه الصورة تخلق انطباعاً ضمنياً بأن القوة تعني القدرة على الحسم السريع، ويُصوَّر اللاعنف أحياناً كحالة انتظار أو كمرحلة مؤقتة تسبق الانفجار، فيُعاد تعريفه ضمنياً بوصفه ضعفاً أو عجزاً عن الفعل.
قوة اللاعنف
بدا الواقع السوري خلال السنوات الماضية أكثر تعقيداً من هذه الثنائية، فإلى جانب مشاهد العنف التي ملأت الشاشات، ظهرت أيضاً مساحات واسعة من الفعل المدني: مجموعات شبابية نظّمت مبادرات تعليمية، فرق تطوعية دعمت المجتمعات المحلية، ونشطاء حاولوا الحفاظ على قنوات الحوار في بيئات مشحونة بالتوتر.
 هذه الأشكال من الفعل لم تكن هامشية في الحياة اليومية، لكنها بقيت هامشية في التمثيل الدرامي، فماذا لو حاولت الدراما السورية إعادة تخيّل اللاعنف بوصفه شكلاً من أشكال القوة؟
الإجابة لا تتعلق بالموضوعات فقط، بل باللغة السردية نفسها، فالدراما اللاعنفية لا تعني أن الشخصيات فيها ترفض العنف، بل سردية ترى في التفاوض فعلاً درامياً، وفي ضبط النفس لحظة توتر حقيقية، وفي العمل الجماعي مساراً مليئاً بالصراعات الإنسانية، وفي هذا النوع من السرد، لا تُختزل القوة في لحظة المواجهة، بل تظهر في القدرة على الاستمرار، والحفاظ على المبادئ تحت الضغط، والبحث عن حلول في بيئة لا تتوافر فيها خيارات سهلة، كأن يكون تركيز الدراما على التوتر الذي يرافق قرار الامتناع عن العنف، أو استكشاف الصراعات الداخلية التي يعيشها الأفراد حين يحاولون الحفاظ على نهج لاعنفي في بيئة يغلب عليها منطق القوة المباشرة، وهي صراعات تحمل إمكانات درامية كبيرة لأنها تمس أسئلة أخلاقية وإنسانية عميقة.
ذكريات مرئية 
لكن النقاش حول صورة العنف في الدراما السورية لا يمكن فصله عن الجدل الذي رافق عدداً من المسلسلات التي عُرضت في عام 2026 وتناولت ملف المعتقلين والمغيبين قسراً، فمن حيث المبدأ، بدا ظهور هذه الأعمال محاولة متأخرة لفتح أحد أكثر ملفات الصراع السوري ألماً؛ غير أن طريقة المعالجة كشفت مفارقة صعبة؛ فبينما أرادت هذه الأعمال إدانة العنف، انتهى بعضها إلى إعادة إنتاجه بصرياً بطريقة قاسية، وتحولت معاناة المعتقلين إلى سلسلة من مشاهد التعذيب المكثفة داخل الزنازين لتصبح هذه المشاهد هي لحظة الذروة في الحلقة، وفي حين بدا للبعض أنها محاولة لإظهار الحقيقة، بدا للبعض الأخر أنها شكل من أشكال العنف الرمزي، وبالنسبة لأصحاب القضية -  عوائل المعتقلين والمغيبين قسراً - لم تكن هذه المشاهد مجرد تمثيل فني، بل استعادة مباشرة لذكريات لم تلتئم أصلاً، وكثير من الأهالي الذين ما زالوا يعيشون تجربة الانتظار أو الفقدان يجدون أنفسهم أمام الشاشة في مواجهة صور تشبه ما يخشون أنه حدث فعلاً لأبنائهم أو إخوتهم، وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية: لمن تُروى هذه القصص؟ وهل تفكر الدراما بما يكفي في أثرها على من عاشوا المأساة شخصياً؟
هذا الجدل يعيدنا إلى السؤال الأوسع حول مفهوم القوة في السرد الدرامي؛ ففي معظم هذه الأعمال بُني التوتر حول مشاهد العنف الجسدي داخل السجون، بينما تراجعت القصص الأخرى التي عاشها المعتقلون وعائلاتهم: قصص الصمود الطويل، التضامن بين المعتقلين، أو قدرة الأهالي على الاستمرار في البحث والانتظار رغم السنوات.
 وهكذا يصبح الألم الجسدي مركز السرد، بينما تتراجع أشكال القوة الأقل صخباً والأكثر عمقاً.
عدسة درامية إنسانية
إذا كانت الدراما قادرة على تصوير الجسد المعذّب بهذه الكثافة، فهي قادرة أيضاً على إظهار أشكال أخرى من القوة: قوة من يرفض أن يتحول إلى جلاد، قوة من يحافظ على إنسانيته داخل السجن، وقوة العائلات التي تواصل المطالبة بالحقيقة رغم التعب والخيبة، وبهذا يمكنها المساهمة في تشكيل الخيال الاجتماعي، فالصور التي تقدمها عن القوة والضعف، عن البطولة والهزيمة، لا تبقى داخل الشاشة، بل تتحول إلى جزء من الطريقة التي يفكر بها الناس في أنفسهم وفي خياراتهم، فحين يُقدَّم العنف باستمرار بوصفه الطريق الأسرع للحسم، يصبح من السهل أن يبدو اللاعنف خياراً غير واقعي، وحين تُظهر الصمود الأخلاقي والتفاوض والعمل الجماعي، فإنها توسّع المجال المتخيَّل لما يمكن أن يفعله الأفراد في حياتهم، وهذا ليس مجرد مسألة جمالية في الكتابة الدرامية، بل خطوة نحو استعادة معنى القوة خارج منطق العنف وحده.
من هذا المنظور، لا يتعلق النقاش حول الدراما اللاعنفية بتقديم رسائل مباشرة أو خطاب أخلاقي، بل بإعادة التفكير في أدوات السرد نفسها: كيف يمكن للكاميرا أن تلتقط لحظة تردد قبل قرار صعب؟ وكيف يمكن للحوار أن يكشف صراعاً داخلياً دون أن يتحول إلى خطاب؟ وكيف يمكن لبناء الشخصيات أن يُظهر أن القوة ليست دائماً في الانتصار على الآخر، بل أحياناً في القدرة على الحفاظ على إنسانيتنا رغم كل شيء؟
خطوة نحو التغيير
في النهاية، ليست الدراما مجرد مرآة لما حدث، بل أداة لتشكيل ما يمكن أن يحدث.
 حين تُصوّر القوة على أنها القدرة على الانتصار بالدم أو التفوق بالعنف، نغذي تصوراً ضيقاً للعالم؛ أما حين تُظهر أن القوة يمكن أن تتجلّى في الصمود الأخلاقي، في التفاوض، في الصبر، وفي الحفاظ على الروابط الإنسانية رغم كل الضغوط، فإنها تُعيد تعريف البطولة نفسها.
وعلى الرغم من أن هذا لا يغيّر الواقع بين ليلة وضحاها، لكنه يفتح مساحة واسعة لتخيّل مجتمع مختلف، مجتمع يدرك أن اللاعنف ليس ضعفاً، بل خيار شجاع وفعّال في بلد شهد الانقسام والخراب، ويمكن لكل صورة على الشاشة تحمل هذه الرسالة أن تكون خطوة صغيرة نحو استعادة الثقة بالإنسانية، واستحضار الأمل في أن التغيير ممكن، وأن القوة الحقيقية غالباً ما تكمن في ضبط النفس، وفي القدرة على الاختيار الواعي بدل الانجرار وراء العنف.