26-04-2026
كسر حلقة الخوف والابتزاز الموجه ضد النساء خلال النزاعات والحروب، عبر تبني اللاعنف كأداة أساسية ونقطة تحول...
في المجتمعات التي تعيش صراعات أو تحولات حادة، كالمجتمع السوري، غالباً ما تتحول "صورة المرأة" من تعبير عن الذات إلى "ساحة معركة"، تحت مبررات الحماية من "العدو" أو خوفاً من "الابتزاز"، لاسيما في المجتمعات المنغلقة على ذاتها، حيث تُفرض قيود اجتماعية تحرم النساء من التواجد الرقمي الطبيعي،هنا، لا يظهر اللاعنف كمجرد شعار للسلام، بل كاستراتيجية مقاومة جذرية تعيد تعريف الشرف، الحماية، والقوة.
يرى فكر اللاعنف أن إجبار المرأة على إخفاء صورها أو هويتها الرقمية "تحت ذريعة الحماية"، هو في الحقيقة استسلام لـ العنف البنيوي، حيث يعاقب الضحية بدلاً من المعتدي.
المقاومة اللاعنيفة تبدأ من رفض هذا المنطق؛ فالحماية الحقيقية لا تأتي من "الاختفاء"، بل من بناء مجتمع صلب أخلاقياً وقانونياً لا يمنح المبتز سلطة "الفضيحة".
لنتعرف قليلاً على فلسفة "الساتياغراها" (قوة الحق) التي نادى بها غاندي، تقول هذه الفلسفة بأن النصر يكمن في انتزاع الخوف من قلب الضحية.
عندما ترفض النساء السوريات الخضوع لتهديدات المبتزين، سواء أكانواأفراداً أو جهات معادية، فالنساء بهذه الحركة البسيطة ومن خلال تصرف طبيعي "كنشر صورة" يمارسن أعلى درجات اللاعنف.
المقاومة هنا تتمثل في تحويل الفعل الطبيعي من أداة للتهديد إلى "أداة للوجود"، والعديد من المنظمات السورية عملت على تعزيز هذه القوة عبر "الأمان التقني" ونشر الوعي الرقمي، وتعزيز فكر المواطنة الرقمية، مما يمنح النساء درعاً يحميهن دون الحاجة للتنازل عن حريتهن.
المنهج اللاعنيف يحول العبء من كاهل المرأة إلى كاهل المجتمع والدولة، وتجلت المقاومة السورية لهذه
الظاهرة في:
التضامن المجتمعي مثل خلق "مساحات آمنة" تدعم الناجيات من الابتزاز بدلاً من نبذهن، والمواجهة القانونية مثل تفعيل قوانين الجرائم المعلوماتية التي تنظر للمبتز كـ "مجرم" وللمرأة كـ "صاحبة حق"، وهو تحول جوهري من لغة "العيب" إلى لغة "الحق".
لنضيف إلى ذلك، كسر إرادة "العدو" بالاستمرار، فعندما يحد المجتمع من حرية النساء خوفاً من "العدو" فإنه يحقق للعدو انتصاراً مجانياً بتفكيك النسيج الاجتماعي ونشر الذعر، بينما تقتضي المقاومة اللاعنيفة الاستمرار في ممارسة الحياة الطبيعية، بما في ذلك النشر والتعبير، كرسالة صمود. إن نشر الصورة في هذا السياق هو فعل سياسي واجتماعي يقول: "إرادتنا في الوجود أقوى من أدواتكم في الترهيب".
وقد برز دور النساء السوريات: من "ضحايا محتملات" إلى "قائدات تغيير"، فلم تكن المقاومة السورية لهذه الظاهرة مجرد رد فعل تقني، بل قادتها النساء كفعل صمود سياسي واجتماعي. لقد أدركت المرأة السورية أن التنازل عن صورتها وعن وجودها الرقمي هو تنازل عن مساحتها في الشأن العام.
ومن هنا بدأت الشرارة حيث بادرت ناشطات ومحاميات سوريات بفتح ملفات الابتزاز علناً، محولات القصة من "خطيئة فردية" تُخجل الضحية، إلى قضية رأي عام تُخجل المبتز وتجرمه. وفي بعض النزاعات كانت تلك الملفات الحساسة والعامة تصل لقلب المحاكم الدولية، هذا التحول هو جوهر اللاعنف؛ إزالة القوة الأخلاقية من يد المعتدي وإعادتها لصاحب الحق.
وكما ذكرنا نشأت شبكات نسوية غير رسمية داخل سوريا وخارجها، تعمل كـ "درع بشري رقمي"، هذه الشبكات لا تكتفي بتقديم الدعم الفني لاستعادة الحسابات، بل تقدم الحماية النفسية التي تمنع المرأة من الانهيار أمام ضغوط العائلة أو المجتمع، مما يُفشل أهداف الابتزاز في تدمير حياة الضحية.
هكذا قاومت النساء السوريات المفهوم التقليدي للحماية (الذي يعتمد على الانغلاق) بمفهوم "الأمان القائم على المعرفة والقانون"، فبدلاً من الاختباء، اخترن التسلح بأدوات التشفير، والوعي القانوني، والمطالبة بتشريعات تحمي خصوصيتهن، معتبرات أن "الوجود الرقمي" هو امتداد لوجودهن على الأرض .
إن قوة هذه المقاومة تكمن في استمراريتها؛ فكل صورة تُنشر، وكل محاولة ابتزاز تُجابه بالتبليغ القانوني بدلاً من الخضوع، هي خطوة نحو تفكيك منظومة الخوف، النساء السوريات اليوم لا يدافعن فقط عن "صور"، بل يدافعن عن حق الأجيال القادمة في فضاء رقمي لا تُستخدم فيه الهوية الشخصية كسلاح عسكري.
إن المقاومة اللاعنيفة التي تقودها النساء في وجه الابتزاز هي معركة استرداد للكرامة الإنسانية. هي رسالة واضحة بأن الحماية لا تُشترى بالقيود، وأن الحرية الرقمية هي جزء لا يتجزأ من معركة التحرر الاجتماعي الأوسع.
حماية النساء لا تتحقق بالمنع، بل بالتمكين، ونهج اللاعنف يعلمنا أن الحرية لا تُجزأ، و المجتمع الذي يضحي بحرية أفراده من أجل "أمن واهم" ينتهي بفقدان الاثنين معاً .
المقاومة النسوية في سوريا اليوم تُعدّ تذكيراً بأن الصورة الشخصية ليست خطراً ولا عيباً، بل هي وجهٌ للحقيقة التي يحاول العنف إطفاءها.