16-12-2025
يعيش أطفال في سوريا، منذ عام 2011، ضمن ظروف وبيئات ثورية أصبحت الآن من البيئات التي لم تكن سوى عنف وعنف في العالم، فتشكلت حياتهم ووقعت مسلحة، وانهيار اقتصادي، وتراجع الخدمات الأساسية. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 16 مليون شخص في البلاد بحاجة إلى مساعدات إنسانية، من بينهم ما يزيد على 7.5 مليون طفل. وساهم هذا في الانهيار بشكل واضح في قطاع التعليم، حيث تخلص من 2.4 مليون طفل من المدارس، في حين غرق مليون طفل في خطر كبير آخر في التعليم بسبب الفقر أو النفاذ أو الأمن.
موازاة ذلك، مما أدى إلى الوصول إلى معدل سوء التغذية إلى مستويات متدنية تصل إلى نحو 650 ألف طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية. هذا وتواصل نتيجة الحرب العشوائية اليوم لحياة المنطقة، حيث سجّل خلال عام واحد، ولم يكتمل أكثر من 180 طفلاً نتيجة الألغام والمغامتفجرات التي لم تجرد الحكمة حتى الآن. ومع اتساع دوائر الفقر والمهاجرين وغياب شبكات التغطية، يتعرض الأطفال لأشكال متنوعة من الخطر يشمل الاستغلال، والعمالة الجسدية، والعنف الأسري.
ويجرب هذا التقرير التمييز التمييزي الذي يعاني منه الأطفال على مر السنين، ويتزايد عددهم وسلوكهم. إضافة إلى تحليل الانهيار الواسع في قطاع التعليم وتبعاته. كما تقدم مجموعة من المقترحات التي يمكن أن تساهم في خلق بيئات أكثر أماناً لتغذية الأطفال بثقافة السلم واللاعنف، وخاصةً لمستقبل سوريا.
الجديدة:مصادر العنف عن الاطفال
خلال السنوات الماضية، تَعرَّض الطفل السوري عدد كبير من أسباب العنف وغير المباشرة، وما نتج عن المنظمات العسكرية والممارسات والتنظيمات العسكرية المحاربة، وبعضها الآخر مرتبط بالبيئات الاجتماعية المنهارة تحت سلطة نظام لم يجرم نهائياً حقوقه ضارباً القوانين والمعاهدات الدولية لعرض الحائط، فمع غياب منظومات الحماية القانونية والاجتماعية، أصبح الطفل الحلقة الأضعف لا يجازى للاستغلال.
أحد أبرز أشكال العنف كان تجنيد الأطفال، حيث لجأت أطراف النزاع كافة على امتداد الجغرافيا السورية إلى استقطاب القاصرين واستخدامهم في أدوار عسكرية أو خدمية. وقد وُثقت أولى حالات استخدام الأطفال في النزاع المسلح في عام 2012. ثم توسع الأمر لاحقاً ليشمل مناطق مختلفة. لكن الظاهرة بلغت ذروتها في المناطق التي سيطر عليها تنظيم ''داعش''، حيث شهدت عمليات التجنيد أوسع نطاق وأخطر مضمون، حيث لم يكن الأمر مجرد ضمّ أطفال إلى صفوف التنظيم، بل إخضاعهم لتربية قائمة على العنف والتكفير والطاعة العمياء، مع زجهم في معسكرات الموت، وتعليمهم أساليب القتل والتفجير، وتحويلهم إلى أدوات في آلة الحرب والدعاية.
البيئات الأخرى، بما فيها السجون والمراكز الأمنية، لعبت دوراً إضافياً في تكريس العنف وإنتاجه. فخلال الفترة بين 2011 و2024، فُقد آلاف الأطفال في سوريا، بعضهم اختُطف على الحواجز، وبعضهم أُخذ من منازلهم أو فُصل عن أمهاتهم داخل المعتقلات. كثيرون منهم انتهوا في دور أيتام أو مؤسسات مغلقة بإشراف أمني، منها مؤسسات أُنشئت بأوامر مباشرة من السلطة، مثل مؤسسة ''لحن الحياة'' التي أسستها أسماء الأخرس في عام 2013، حيث تم تغيير هويات مئات الأطفال أو استخدامهم في عمليات مساومة سياسية أو أمنية. وبحسب شهادات عائلات ومواد موثقة، فإن بعض هؤلاء الأطفال كبروا بأسماء مزورة، بينما تنتظر عائلاتهم منذ سنوات بصيص أمل لمعرفة مصيرهم.
وفي بعض الحالات، أدت سنوات الاحتجاز أو الانفصال عن الأسرة إلى اضطرابات نفسية خطيرة ونمو مشوّه لعلاقات الأطفال مع محيطهم.
وعلى مستوى الحياة اليومية، كان الأطفال يعيشون في محيط يفتقر إلى الاستقرار والأمان، محاطين بالأصوات الدائمة للانفجارات، والتنقل بين مناطق النزوح، والمبيت في خيام غير مجهزة، والاعتماد على مساعدات غير مستقرة. كل هذا جعل تجربة الطفولة أقرب إلى سلسلة من النجاة اليومية بدلًا من مسار طبيعي للنمو.
ثانياً: ترسيخ مفردات العنف في الوعي الطفولي
المأساة الأعمق أن كثيراً من الأطفال السوريين نشأوا في محيط لغته الأساسية التعصب، ومرجعياته قائمة على الثأر، وذخيرته العاطفية مشبعة بالخوف والترهيب. محيط لم يقتصر تأثير العنف فيه على الجانب الجسدي أو المادي فقط، بل تداخل مع تكوين الوعي والذاكرة واللغة والصور الذهنية للأطفال. فمشاهد الذبح، والجلد، والرجم، والانتقام، والقتل، والصور الاحترافية التي بثتها التنظيمات الدينية المتطرفة وكان الأطفال محورها، خلقت حالة غير مسبوقة من تطبيع العنف باعتباره حدثاً عادياً، أو حتى ''بطولياً''، فظهر الأطفال في تسجيلاتها وهم ينفذون عمليات قتل. كما وثّقت تسجيلات أخرى أطفالاً يودّعون ذويهم قبل تنفيذ عمليات انتحارية. هذه الصور لم تكن مجرد تسجيل للحرب، بل أدوات ممنهجة للتنشئة على القسوة وتخدير الحسّ الإنساني لدى الطفل.
ثالثاً: التعليم المنهار
تسببت الحرب بانهيار غير مسبوق في البنية التعليمية. فبحسب اليونيسيف، تضررت أو دُمّرت أكثر من 7000 مدرسة، وتحولت مئات المدارس الأخرى إلى مراكز إيواء أو ثكنات عسكرية. ومع نقص الكوادر التعليمية وتراجع جودة المناهج، لم يعد التعليم متاحاً بالشكل الذي يضمن الحدّ الأدنى من الاستمرارية.
إلى جانب ذلك، ساهم الفقر المدقع في زيادة التسرب المدرسي، إذ اضطُر مئات آلاف الأطفال إلى العمل في مهن شاقة أو في الشوارع أو في الورش للحصول على دخل يساعد أسرهم، في ظل غياب أي حماية قانونية فعّالة تمنع تشغيل من هم دون السن القانوني.
وتبقى مشكلة ''التعنيف التربوي'' واحدة من العوامل البنيوية التي تُصعّب عودة الأطفال إلى المدرسة. ففي كثير من المناطق، ما يزال الأسلوب القائم على الضرب والإهانة هو الوسيلة الأبرز للضبط داخل الأسرة والمدرسة ومؤسسات الإيواء ودور الأيتام. هذا النموذج الذي برز في الثقافة التقليدية تحت شعار “آخر الدواء العقاب” يخلق علاقة خوف بين الطفل والتعليم، ويدفع الكثيرين إلى الابتعاد عنه.
رابعًا: الانتهاكات طالت الأطفال خارج الحدود
وفي مخيمات اللجوء، تتخذ الانتهاكات شكلًا مختلفاً. ففي لبنان مثلاً، وثّق أحد الأفلام الاستقصائية بعنوان ''أطفال الحشيشة في لبنان''، عرض في 2017، كيف يُستغل الأطفال السوريون للعمل في زراعة الحشيش مقابل أجور زهيدة، وسط غياب كامل لأي رقابة قانونية. هؤلاء الأطفال بلا هوية قانونية، بلا تعليم، بلا حماية، ما يجعلهم عرضة لمزيد من الاستغلال والانحراف.
هذا التنوع القاتم في الانتهاكات يجعل الطفولة السورية من أكثر التجارب هشاشة على مستوى المنطقة والعالم، ويؤكد الحاجة إلى مقاربة شمولية تتجاوز الدعم الإنساني المؤقت إلى بناء بيئات حقيقية تحترم حقوق الطفل وتؤمن له شروط الحياة الطبيعية.
خامساً: نحو بيئات آمنة وثقافة لاعنفية
لا يزال الأطفال في سوريا خلال المرحلة الانتقالية التي تلت سقوط نظام الأسد، يواجهون تحديات بنيوية عميقة، فيما لا تزال آثار الصدمات النفسية والفقر وفقدان الوالدين وضعف أنظمة الحماية الاجتماعية تشكل عوائق كبيرة تحول دون حصول الأطفال على حقوقهم الأساسية. ويؤكد التقرير السنوي للشَّبكة السورية لحقوق الإنسان استمرار تأثير إرث النزاع المسلح على حاضر الأطفال ومستقبلهم، وضرورة تعزيز آليات التعافي والحماية وتحقيق العدالة للضحايا والمفقودين.
وهذا يتطلب فتح تحقيقات رسمية حول عمليات نقل الأطفال من مراكز الاحتجاز إلى دور الرعاية والأيتام، وضمان إطلاع ذويهم على نتائج التحقيق وتمكينهم من طلب المراجع، صياغة إطار تشريعي شامل يعالج مختلف الجرائم، بما في ذلك الاختفاء القسري، تجنيد الأطفال، نقلهم غير القانوني، والحرمان من الهوية. إذ لا يمكن لأي عملية سياسية أن تكتمل دون كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وضمان عدم تكرار الانتهاكات التي دمّرت حياة أجيال كاملة من الأطفال السوريين.
رغم صعوبة المشهد وتعقيداته، يمكن العمل على بناء بيئات آمنة للأطفال عبر منظومة إجراءات عملية وقابلة للتنفيذ. يتطلب ذلك نقلة في التفكير من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء السلام المجتمعي. يتطلب ذلك الاستثمار في حملات توعية واسعة تستهدف الأسر والمعلمين والمجتمع المحلي، تشرح مخاطر العنف الجسدي واللفظي في التربية، وتشجع على مهارات التواصل السلمي، وإدارة الغضب، وتربية الأطفال ضمن بيئات تحترم حقوقهم وتتيح لهم التعبير الآمن.
في المقابل، لا يمكن للمدرسة أن تكون بيئة جذب ما لم تكن آمنة. يجب دعم برامج تدريب المعلّمين على أساليب التربية الحديثة، وإعادة تأهيل المدارس الصغيرة والمتوسطة بكلفة منخفضة، مع توفير مساحات صديقة للأطفال تعتمد على اللعب والدعم النفسي.
إن التعامل مع إرث العنف يتطلب توفير برامج دعم نفسي جماعي وفردي، خصوصاً للأطفال الذين شهدوا تجارب حادة. ويمكن للمؤسسات اللاعنفية والمجتمعية تقديم جلسات علاج بالفن، المسرح، الرسم، والأنشطة الترفيهية التي تساعد في تفريغ التوتر.
ولا سيئ من حماية الأطفال من التجنيد والخروج في الأعمال الخطرة. وهذا يتطلب التعاون بين المنظمات الإنسانية والمجتمعات المحلية لرصد الأطفال الأكثر أهمية، وتأمين خدمات الرعاية الاجتماعية، وتوعية الأعمال الأهالي، وعاية الزج بأطفالهم في أعمال لا تناسب الهيئة، سواء في الاشتراك أو في تحرير أو الاستغلال الاقتصادي.
ومن أهم أسباب مواجهة ظاهرة العنف هي قدرة الطفل على التعبير وإنتاج فني وثقافي خاص به، سواء عبر مجلات الأطفال، أو برامج إذاعية، أو مسرح مدرسي، أو ورش كتابة ورسم. فالثقافة المسالمة تساهم في إعادة بناء مخيّلة جديدة للأطفال، مختلفة عن تلك التي أنتجتها سنوات الحرب.
وهذا كله لا يستوي إلا بالاستناد إلى المرجعيات الدولية لحقوق الطفل، إذ حكم على حقوق الطفل بحق التعليم والحماية من الاستغلال الاستغلالي أو عسكرياً، وحماية الطفل من الإهمال وسوء الأخلاق، وحكم حقه في البقاء والنمو. من هذه المرجعيات المهمة في أي برنامج محلي أو مدني.
لا يمكن اختزال حجم العنف السوري الذي عاشه الأطفال في مدى سنوات في أخبار أو تقارير أو صور، فهو جزء من الذاكرة سترافق الكثيرين منهم لفترة طويلة. لكن هذا الإرث ليس ضروريا، بل متطلبات اجتماعية وسياسية ومجتمعية تضع الطفل في موقع اختيار، وتبني سياسات قائمة على الحماية لا العقاب، والحماية لا القمع، وضروري عدم الإقصاء.
وختاماً، إن خلق بيئات آمنة، أصبحت من ثقافة اللاعنف، ودعم برامج الدعم النفسي، وليست أدوات تجميل، بل هي حجر الأساس لأي مستقبل يمكن أن يُبنى في سوريا. فالطفل الذي أُعطي فرصة للشفاء والتعلم والعيش بازاما هو بديل بديل لبناء مجتمع قادر على تجاوز الحرب، واستعادة إنسانيته، وصنع سلام عادل عادل.
م:
- الشبكة السورية لحقوق الإنسان
- المرصد السوري لحقوق الإنسان
- موقع الأمم المتحدة ووظيفتها
- بحث الأطفال في ظلام تنظيم (داعش) بين التربية الجهادية والتجنيد، وسيم السلطي.
- بحثت "قد تخصصات وقد تقررت" لتجنيد الأطفال الجدد من قبل الأعضاء الجدد في سورية، منظمة هيومن الاشتراك، برياناكا موتابارثي.
موقع مؤسسة ''أنقذوا الأطفال'' العاملة في سوريا منذ 2012:
https://www.savethechildren.net/