الإعلام كأداة مناصرة لا عنفية: قراءة عملية نفسياً
 

هيا السمعان 

12-02-2026

 

"نحو إعلام مناصر: بين الواقع والمسؤولية"


في سياقات العنف المتكرر الممتد والأزمات المزمنة، لا يعمل الإعلام كوسيط لنقل الحدث والواقع فحسب، بل يصبح جزء من الحالة النفسية اليومية للمتلقي.
أخبار، عناوين عاجلة، صور، فيديوهات، وهنا يصبح الخبر المتداول بمكوناته حمل شعوري يتراكم مع الوقت ويؤثر في الإحساس بالأمان، القدرة على الفهم، وإمكانية الفعل.
في مجتمعات أنهكتها الحروب والأزمات الطويلة، يتشكل تلقي الإعلام ليصبح حالة من الإرهاق الجمعي، حيث تتداخل الحاجة إلى المعرفة مع الرغبة في الحماية من الأذى النفسي.
يعمل الإعلام في هذه البيئات تحت ضغط السرعة والتكرار وخاصةً الإعلام الرقمي، مما يخلق نمطاً من التغطية يعتمد على التكثيف، الاختزال، واللغة الصادمة. ومع الوقت، تتحول بعض الأدوات الصحفية—مثل العناوين الحادة أو الصور العنيفة—من وسائل إخبار إلى عناصر تنظم المشاعر العامة. هذا التحول لا يعني بالضرورة نية التحريض، لكنه يطرح سؤالاً جوهرياً حول الدور النفسي غير المقصود للإعلام في إنتاج الخوف، الغضب، أو الإحساس بالعجز.
تشير أدبيات علم نفس الصدمة إلى أن التعرض المتكرر لمحتوى عنيف، حتى من دون تجربة مباشرة، قد يساهم في أعراض تشبه الصدمة الثانوية، مثل التبلد العاطفي، القلق المزمن، أو الانسحاب من الشأن العام. في هذا الإطار، يصبح الإعلام أحد مصادر التعرض غير المباشر للعنف، خاصة حين يغيب السياق، التدرّج، أو خلق مساحة نقدية بين الحدث والمتلقي.
من جهة أخرى، تُظهر التجربة أن الامتناع الكامل عن التغطية أو التخفيف المفرط من فجاجة المحتوى لا يشكل بديلاً صحياً أو مهنياً. إقصاء الوقائع أو تقديمها بصياغات مخففة قد يفاقم فجوة الثقة ويعزز الإحساس بالإنكار.
الإشكالية إذاً لا تكمن في نقل العنف أو تجاهله، بل في كيفية نقله: اللغة المستخدمة، ترتيب الأولويات، وبناء السرد.
من هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى مراجعة العناوين والسرد والصورة، كضرورة مهنية وأخلاقية لدعم فهم أعمق ومساءلة واعية، بدلاً من تحويل الصدمة إلى خبر يومي متكرر.

 

المصادر: 
GCJT Style Guide for Trauma-Informed Journalism

قواعد الصحافة الحساسة للنزاعات
“الصحافة والصدمات” – الجزء 1: الأعباء الشخصية للتغطية الإعلامية


اللغة والعنوان: بين نقل المعلومة وصناعة الانفعال


تشير دراسات صحافة النزاعات، ولا سيما أعمال الباحث النرويجي يوهان غالتونغ، إلى أن العنوان ليس مدخلاً معلوماتياً فقط، بل أداة تأطير نفسي للحدث منذ اللحظة الأولى حيث تأخذ المتلقي إلى زاوية فهم الحدث وموقعه منه (Galtung, 2002).
غالتونغ، في طرحه لمفهوم صحافة السلام الذي يشمل تغطية النزاع بشكل متوازن وتشجيع الحلول بدلاً من التركيز فقط على العنف، يبين أن اختيار مفردات العنوان يساهم في إما توسيع أفق الفهم أو حصره ضمن استجابة انفعالية سريعة، غالباً قائمة على الخوف أو الغضب.
في سياقات العنف، تميل العناوين إلى استخدام مفردات مكثفة عاطفياً مثل "مجزرة"، "كارثة"، أو "صادم"، باعتبارها أدوات فعالة لجذب الانتباه، زيادة معدلات القراءة والتفاعل.
 غير أن أدبيات علم النفس الإعلامي تشير إلى أن التعرض المتكرر لمثل هذه اللغة لا يضيف بالضرورة معرفة جديدة، بل قد يؤدي إلى رفع مستويات التوتر والانفعال، ويعزز نمط التلقي القائم على الصدمة بدل الفهم.
في المقابل، توصي مواثيق مهنية مثل مدونة أخلاقيات جمعية الصحفيين المحترفين (SPJ) باستخدام لغة دقيقة ومنسوبة، وتجنب التعميم أو الأحكام المسبقة، باعتبار ذلك جزءاً من مبدأ "تقليل الضرر".
هذا المبدأ لا يدعو إلى التخفيف من وطأة الواقع، بل إلى تقديمه بطريقة تحترم حق المتلقي في المعرفة دون فرض شعور جاهز عليه.
بهذا المعنى، لا يتمثل الفرق بين العنوان المثير والعنوان المسؤول في حجم الصدمة المنقولة، بل في طريقة تنظيمها لغوياً. العنوان المسؤول يعترف بخطورة الحدث، لكنه يضعها ضمن إطار قابل للقراءة والتحليل، وهو ما يجعله أداة إعلامية أقل إيذاءً نفسياً وأكثر انسجاماً مع الدور المهني للإعلام في بيئات العنف.

 

المصادر:
Galtung, J. (2002). Peace Journalism. Journal of Peace Research.
Galtung, J. (2006). Peace Journalism as an Ethical Challenge. Global Media Journal.
McIntyre, K. (2019). Emotional headlines and audience engagement. Digital Journalism.
American Psychological Association (APA). (2017). Stress, Trauma, and Media Exposure.
Society of Professional Journalists. SPJ Code of Ethics.
SPJ – Interpretation Guidelines on “Minimize Harm”.
UNESCO. (2018). Journalism, Conflict-Sensitive Reporting and Ethics.

 

السرد والخطاب: كيف يُبنى المعنى


تؤكد أدبيات دراسات الإعلام أن السرد الإخباري لا يقتصر على ترتيب الوقائع، بل يساهم في بناء المعنى الذي يتلقاه الجمهور. يشير هوارد بيكر في نقاشه حول "الانحياز البنيوي" حيث أن الإعلام قد يكون منحازاً ليس بالضرورة بسبب موقف شخصي للصحفي، بل بسبب طريقة عمل المؤسسة الإعلامية نفسها:
القواعد، العادات، مصادر الأخبار المتاحة، وضغط السرعة كلها عوامل تشكّل التغطية بشكل غير محايد.
خلال التغطية الصحفية يكون اختيار زاوية السرد، وتحديد من يتحدث ومن يُستبعد، يحدد ضمنياً من هو "الفاعل" ومن هو "الضحية".
كما أن إرشادات الصحافة الحساسة للنزاع الصادرة عن اليونسكو تُظهر أن هذا النوع من السرد رغم بساطته يحد من قدرة المتلقي على الفهم النقدي لسياق الحدث، في المقابل يتيح السرد السياقي —الذي يشرح الخلفيات ويعرض تعدد الأصوات— فهماً أوسع وأقل انفعالاً، دون أن يبرر العنف أو يخفف من خطورته.

 

المصادر:
Entman, R. (1993). Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm. Journal of Communication.
Becker, H. (1967). Whose Side Are We On? Social Problems.
Hall, S. et al. (1978). Policing the Crisis. Macmillan.
UNESCO. (2019). Conflict-Sensitive Journalism Guidelines.
 

الصورة والمرئي: بين الشهادة وإعادة إنتاج الصدمة


تلعب الصورة دوراً محورياً في الإعلام المعاصر، لكنها أيضاً أكثر أدوات التغطية قدرة على إحداث أثر نفسي مباشر.
الكاتبة والمفكرة سوزان سونتاغ في كتابها "عن ألم الآخرين"  حيث يعكس الكتاب دراسة تأثير الصور العنيفة والمعاناة الإنسانية وكيفية تلقيها بصرياً ونفسياًعلى المتلقي. من أن الصور العنيفة، حين تعرض بشكل متكرر ومنفصل عن السياق، قد تؤدي إلى استهلاك الألم بدل إثارة الفهم.
كما تشير أبحاث "مركز دارت للصحافة والصدمات" إلى أن هذا النوع من التغطية قد يساهم في أعراض الصدمة الثانوية لدى الجمهور، خصوصاً في المجتمعات التي تعيش عنفاً مستمراً.
عملياً، يظهر هذا الإشكال عند نشر صور جثث أو مشاهد دمار دون ضرورة تحريرية واضحة. فبينما قد تُستخدم هذه الصور كدليل أو شهادة، فإن غياب التفسير والسياق يحولها إلى مادة صادمة بحد ذاتها. توصي الإرشادات المهنية باستخدام الصورة بوصفها أداة توضيح لا إثارة، مع مراعاة خصوصية الأفراد، كرامة الضحايا، وحق المتلقي في المعرفة دون تعريضه لإيذاء نفسي متكرر.


المصادر:
Zelizer, B. (2010). About to Die: How News Images Move the Public. Oxford University Press.
Sontag, S. (2003). Regarding the Pain of Others. Farrar, Straus and Giroux.
Dart Center for Journalism & Trauma / Global Center for Journalism & Trauma. Trauma and Audience Impact.
Global Center for Journalism & Trauma. Style Guide for Trauma-Informed Journalism.

 

المناصرة كأداة لاعنف: الفاعلية وحدودها


المناصرة الإعلامية هي استخدام أدوات الصحافة لدعم قضايا حقوقية أو إنسانية بطريقة مسؤولة، دون اللجوء إلى خطاب تحريضي أو تعبئة عاطفية سريعة.
الهدف منها ليس الصدمة أو الغضب، بل بناء معرفة تمكن المتلقي من الفهم والمساءلة، وتتيح المطالبة بالتغيير بطريقة واعية. وفق منظّري اللاعنف مثل يوهان غالتونغ، تكون المناصرة فعالة عندما تكسر منطق الاستقطاب وتدعم الحوار والفهم، بدلاً من إعادة إنتاج الانقسام.
تظهر تجارب الإعلام الحقوقي أن المناصرة تكون أكثر تأثيراً حين تعتمد معايير:
معلومات دقيقة وموثقة.
لغة لا تطلق أحكام مسبقة على الأطراف أو تحميلها صفة "شريرة" في الخبر أو متحيزة إلى طرف معين.
سرد يوضح المسؤوليات والخلفيات دون تعميم أو تبسيط مفرط.
فعلى سبيل المثال، تغطية انتهاك حقوقي باستخدام لغة قانونية واضحة مع الإشارة إلى المعايير الدولية ذات الصلة غالباً ما تؤدي إلى تأثير أعمق وأكثر استدامة من خطاب تعبوي يركز على الغضب أو الإدانة العامة.
 

المصادر:
Waisbord, S. (2009). Advocacy Journalism in a Global Context. Journalism.
Galtung, J. (1998). Peace by Peaceful Means. Sage.
Human Rights Watch. Reporting on Human Rights Violations: Best Practices.
Amnesty International. Human Rights Reporting and Advocacy Guidelines.


نحو إعلام مناصر لا عنفي
انطلاقاً من هذه المقاربات، يتبلور مفهوم الإعلام المناصر اللاعنفي كنموذج مهني يوازن بين نقل الواقع القاسي وتقليل الأذى النفسي. 
المعايير التي يتبعها الإعلام المناصر اللاعنفي لا تلغي الموقف الأخلاقي للإعلام، بل تنظّمه ضمن إطار مهني أكثر استدامة.
في نهاية المطاف، قيمة الإعلام لا تقاس فقط بما ينقله، بل كيف ينقله.