1-03-2026
من نافلة القول إن الإعلام بشتى أنواعه يختزن قدراً موجوداً أو مهولاً من العنف، فالإعلام لا يضيء على الأحداث فقط، بل هو يغيرها، أو يستمر في حل "الواقع" بنفسه، فنظرية "الواقع كما هو" تكتشف عن ضعفها أو هشاشتها وتم تجاوزها على درجة أنها لا تملك قدرة تفسيرية، إذ حل محلها ترى تقول بـ "الواقع من أمر ما"، أي أن ما نسميه حقاً لا يتقن هذه الإجراءات إلا عملياً أيديولوجياً لا يتطلب الناس على مواصفاته أو على طرق العيش فيه، أو على السياسات والحقيقة التي تسيّره.
في سوريا على سبيل المثال حدث مجازر مهولة تم تصويرها أو "تغطيتها" لتتحول إلى مجرد مشاهد لاستهلاك الكثيرين، ومع ذلك فإن تلك التغطية تغطي من المشاهِد السوري مجرد شاهد، فالحدث لا يغلق عليه، بل على من يتابعه، حيث يظلها تستمر فقط ولم يكن هناك شيء.
إن ما نشير إليه هنا، بالفعل أن وصف بكليانية الإعلام، والكلية أو التوتاليتارية، ليست عقلانية بعينها كما ترى حنا أرندت التي تقول في هذا الأمر: "إن الفاعل الذي كان وراء التبلور الاليتارية ليس النازي المتشنج، ولا الحزب المتعصب، المقرر الفرد الذي لم يعد يفرق بين الواقع والوهم، ولا بين الحق والخطأ". إنما التوتاليتارية إذن، هي موقف للفرد، موقف للفكر. هي وضعية للفكر ليس مجموعة من الأفكار، هي وضعية يفقد فيها الفكر القدرة على ممارسة الاستثمار.
لن يستغرق الأمر طويلاً أن "الواقع" كيفما تأولناه، أو كيف ما تنظر إليه، أو كيف ما صاغه لنا الإعلام أو أي جهة سلطوية، لا يسحب من الأفراد كل قدرتهم على التمييز، وخاصة التمييز في التخصيص المتطرف بالقتل، فالقتل النشط فعلاً لا يقبل التمييع ولا يستطيع أن يبر نفسه إلا في الدفاع عن النفس، والحال أن هذه الحالات أيضاً سوف تعمل حولها يدل كبير.
ما صنعه الإعلام السوري على مدى عقود، وما يصل، لا يندرج فقط ضمن سياسات الهيمنة للسلطات المتعاقبة، بل يندرج أيضًا ضمن سياسات عنفية طويلة لها مسار يصل إلى بدايات نشوء النظام السوري، فسوريا منذ أول أمرها كانت "واقعا" التقدم الزمني أنها لا تمتلك قدرة كافية على العرض أو العيش، وما تخصصه الآن ليس إلا نتيجة منطقية لتاريخ العنف السوري.
بالطبع لا نحتاج إلى عدد قليل من المجازر هنا، كما نعلم، العديد منها ومهولة، فما يعنينا أن نشير إليه، أن العنف الذي عاشه السوريون على امتداد عقود، ليس مجرد لقطات صنعتها سلطاتها بعينها، بل هو صناعة إعلامية أيضا في أحد وجوهها أو أبعادها، أي أن الإعلام نهائيا منتج للعنف أيضا هو أحد الأدوات في صياغة واقعنا العنصري وينتجه دون كل، ويحتمل أن ضعيفة عن الكثير من الخمري بالحد.
بلغة أخرى، إن المجرم إذا أرادوا أن يبنوا حياة كريمة، وعليهم من بين الكثير الذي يجب أن يفعلوه، أن يكشفوا النقابات عن نزع العنف التي تختزنها وينتجها الإعلام بشتى إلى وسائله، وأن هناك بعيدا عن وسائل الإعلام فجأة، وأن لا تتلقوا معلومات كمعلومات "بر" أو غير للشك، فـ "الواقع" سيال والإعلام حصل كبير لتمييعه وتزييفه.