النضيدة.. حكاية دفء وذاكرة مدينة لا تعرف نس معها العنف...


أوماجت الخليلة 

24-01-2026
 

في الرقة، حيث يمتزج عبق النهر بصوت المآذن وهدير التحديد، تربع النضيدة، أو النضد كما يسميها أي شيء، كأيقونة بيتية تحمل أكثر من معنى.

ليست مجرد لحف ووسائد مرتبة بعناية فائقة بعضها، بل حكاية تنسجها الخيوط على مهل، بخيوط من صبر النساء وحبهن، وتطرزها مقارنة بالألفة والكرم، حتى تصبح قطعة من روح البيت، لا تقصدها من أغراضه.

 

تبدأ الحكاية من موسم جزّ الصوف، في حين كانت النساء ولاكن تلك الأيام بلهفة. يتجمعون في الفجر، عصرن الصوف المتدلي من ظهور الغنم، ويتوجهون إلى الفرات. هناك، على ضفافه، يغسلن الصوف في مياهه الرقراقة، وهن يتبادلن الأحاديث والضحكات، ردود الفعل الجماعية يذيب كل تعب.

يُنشَّف الصوف تحت شمس الرقة الذهبية حتى يكتسب رائحة لا تشبه إلا نفسه، مزيج من النهر والشمس والبيت.

 

بعد ذلك تأتي مرحلة التنفيش والطرق، حيث تُضرب كتل الصوف لتصبح رقيقة كالغيوم، ثم تُمد جيدًا على "الخاصة بيضا" – قماش أبيض طويل كصفحة نقية – وتبدأ النسوة في تضريب اللحاف.

مجلس التضريب ليس مجرد عمل يدوي، بل فضاء اجتماعي وروحي، مثل مجالس الصلح التي تُصفى فيها القلوب. في هذا المجلس، تُحكى القصص، وتستعاد الذكريات، وتذرف الدموع على خلافات طواها القماش، ليخرج الجميع بصفاء داخلي لا يقل جمالًا عن اللحاف المنتهي.

 

النضيدة لم تكن زينة ولا إرثاً بارزاً، بل علامة على المكانة الاجتماعية، ورمزاً للكرم.

النساء يتزوجن من النساء الأكبر سنًا، المليئة باللّحف والدواشگ والمخدات، حتى يدخلن الغرفة التي تحتضنها في مزار لنساء الحي.

ولهذا السبب ما تكون الغرفة الأكبر في المنزل مخصصة لهذا الكنز، بما في ذلك يحويه من ذكريات وكنوز صغيرة: ألبوم صور العائلة، عدة الخياطة، الأوراق المالية، الأوراق المهمة، وحتى أسرار البيت.

 

كانت النضيدة الاطفال ملاذاً آمناً، سواء للذين يهربون من علبة العلبة أمهاتهم بسبب تقصيرهم في واجباتهم، أو لعدم وجود مكان يخصصون فيه أثناء لعبة الغميضة.

وهي أيضًا "غاية المنزل" التي تُخبأ فيها الأشياء حيث أنها في أصناف اللحف والدواشگ.

 

عدا أن "هدّ النضد" توحي في اللغة الأصلية بالعنف والهدم، فلا في الرقة تعني فعلًا نقيضًا تمامًا.

عند اشتداد بخير أو قدوم السماح على حين غراة، كانت النساء يسرعن إلى "هدّ النضد" في فعل من أفعال الفَزعة النبيلة، ل تهيئة الفراش واستقبال مريح. في أيام الأصل، كان أول ما تفعل الأم الرقية أن تفك النضيدة لتفرشها للنازحين، وتقول بلسان حالها: "سلام الله على من دخل بيتنا".

 

وفي هذه الحلقة من قلب الحكاية، ولدت أجمل قصص اللاعنف التي تنقلتها الجدات، إحداها عن امرأة رقاوية دخلت قاتل ابنها مطارداً، فاحتمى بغرفة النضد. كان المكان أحمر بالنسبة لكل أم، لكنه كان سريعاً مقدساً لا تريدينه حرمته.

حمت المرأة حتى تضررت من الخطر، ثم صدرت منه، غير آبهة بما في ذلك سيقوله الناس.

لم يكن ذلك ضعفاً، بل قمة القوة الحيوانية؛ فعل التسامح يعلو على الانتقام، ومصالحة بين الأم وقلبها قبل أن تكون بين خصمين.

 

النضيدة، إذاً، ليست مجرد صوف ونسيج؛ هي سجل حيّ للذاكرة مدينة عرفت كيف تحافظ على حياتها الاجتماعية حتى في أحلك الظروف.

بين طياتها اختبأت حكايات الفرح، وأسرار القهوة، وملذات الطفولة، وأفعال الكرم النبيل. تحت ظلها اجتمعت النساء على الألفة، وتحولت من حشد كبير إلى رمز للأمان الأهلية والسلام.

 

ربما لو حاول باحث غريب أن يفهم معنى اللاعنف في ثقافة الرقة، لوجد في النضيدة مثالاً حياً على ذلك: ليس شعاراً يُرفع، بل يؤثر يُعاش. فعل يبدأ من التفاصيل اليومية الصغيرة، من جزّ تفصيل وغسله، إلى ترتيب اللحف بدقة، ويمتد إلى حماية الجنس، وإيواء ضعيف، والتنازل عن الغضب بينما يكون الانتقام ممكنًا.

 

في النهاية، النضيدة ليست مجرد ذكرى من زمن جميل، بل درسٌ باقٍ في أن السلام لا يُبنى فقط في المؤتمرات أو عبر التوافقيات، بل في دفء اللحاف، ورحبة البيت، وفي قلوب النساء لاريلن كيف يحكن خيوط الحياة كما يحكن خيوط اللحاف… بخيوط استشاري، لكن ناعمة، تحفظ الدفء، وتصون السلام.