9-02-2026
تشهد "حنا أرندت" في بداية كتابها "في العنف" عام 1970 ما أحدثت تأملاتها حول العنف هو الأحداث والسجالات التي دارت خلال السنوات التي ألفت الكتاب، إيها لها خلفية فونت، بالإضافة إلى أن أدوات العنف بدأت تتقني جداً في القرن العشرين حيث يمكن القول إنه لم يعد هناك غاية سياسية؟
و "نحن" في مرحلة ما بعد الأسد، تدفعنا بالدرجة الأولى، وتوعد الهويّات لليوم في سوريا، للكتابة عن العنف، فالأمر جلل والخطر يريدق بالسوريين من كل حدب وصوب، والحال أن سوريا لم تصبح مساحة لتقاسم النفوذ المستقل، بل أصبحت مساحة عنفية تعيش حياة الناس فيها.
لكن ما تطبيقه لا يتعلق بالفترة الراهنة المحددة، فالأمر ذو التمييز والتعددية، أي أنه لا يعود إلى وقتنا الحالي أو إلى الحقبة الاستقرائية فقط، بل يعود إلى بدايات عديدة أي اليميني الجديد، فالهوية الوطنية الإنسانية نفسها، كما عرفتها السورية، لم تكن إلا تأسيسية إقصائية نبذة لم تحتضن جميع الأعضاء، بل عبر العقيدة المشتركةين، عروبي وإسلامي، ابتلعا جميع الفرق الأخرى؛ وبالتالي القول بلغة أخرى، إن الحرية والوعي للمجال السياسي نفسه، لم يخرج من الإطار القومي العربي الإسلامي إلى الآن، بل إن ما مارست به سوريا أو ما بقي منها، مااردنا حتى أكثر من مستوى الدولة الأمة، وأصبح ما دون الدولة، أي أن الدولة انختت، والسلطات أصبحت مجرد سلطات أمر حقيقي.
كل ذلك دفعنا للإضاءة الألمانية على فكر أرندت اللاعنفي "حنا أرندت"وخاصة كيف تحتفي بالعنف في كتابها التوجه التقدمي، ولكن علينا أول الأمر ودرراً لسبب سوء الفهم، أن نذكر أن فكر أرندت اللاعنف لا يعادل ما بين المعتدي المعتدى عليه، إلا أنها لا تشهد في حق الدفاع عن النفس، بل ترى أنه من حق الناس إذا قسم هو بسببهم أن يفرقوا أبناء هذه الفئة.
أرندت واله صفر
ولدت أرندت عام 1906 في مدينة ليدن قرب هانوفر الألمانية، وتوفي أبوها وهي في سن السابعة، إلا أن أمها كانت بطريقة ما اهتمامها منذ سن خروج بالشأن البوتيك؛ في عام 1924 بدأت دراسة الفلسفة في جامعة ماربورغ حيث تعرفت على الفيلسوف الألماني "مارتن هايدغر" الذي جمعها الحب معه في علاقة ثم شاركوا بوضوح في تحقيقهم، كما ترك هايدغر لاحقًا فكريًاً لها.
مرت علاقة أرندت وهايدغر طيلة حياتها بعدة منعطفات، ولكن عام 1925 حدثت قطيعة بينهما وأصبحت أرندت طالبة لدى الفيلسوف الألماني "كارل ياسبرز" وأنجزت عام 1929 أطروحة دكتوراه تحت إشرافه بعنوان "مفهوم الحب عند القديس أوغسطين"، وفي نفس العام تزوجت من "غونتر شتيرن" في باريس.
عام 1933 عند تمكن النازيين من الحكم هربت أردنت وزوجها إلى باريس حيث التقت بعدد من الفلاسفة أيضاً، ومنهم "والتر بنيامين"، وعام 1941 اضطرت للهروب إلى أميركا حيث استقرت في مدينة نيويورك وحصلت على الجنسية الأميركية ودرّست بشكل أساسي في "المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية" واستمرت بالكتابة والنشر حتى وفاتها عام 1975.
تعتبر أرندت أحد أبرز المفكرين الذين اشتغلوا على النظريات السياسية في القرن العشرين، وترجمت كتبها إلى عدد من اللغات وكتب عنها الكثير من البحوث والمراجعات، ولعل أحد أبرز الموضوعات في فكرها هو مسألة الحرية والضرورة ومسألة العلاقة بين القاعدة والاستثناء بالإضافة لمفهوم الحياة الذي حظي باهتمام كبير عندها.
لا تصنف أرندت نفسها كفيلسوفة لكن الانشغال الفلسفي واضح في متنها منذ أعمالها الأولى، ولعل مشروعها الفكري بصفة عامة يندرج ضمن إعادة النظر في وجود الإنسان بالعلاقة مع شرطه السياسي، فهي تشتغل ضمن أفق سياسي يمتد من الحضارة اليونانية وصولاً إلى القرن العشرين.
تنتقل أرندت من نقد التصور الفلسفي للــ "طبيعة الإنسانية" إلى تصور جديد عن الإنسان يرتبط أو يعبر عنه مفهوم "الشرط الإنساني" الذي تستخدمه للتعبير عن البعد التفاعلي النشيط في الوجود الإنساني، وتأتي أهمية هذا الطرح في أنه يكشف البعد العلائقي في الحياة منطلقاً من الشروط المحددة للوجود الإنساني.
وفي توصيف أرندت للأزمنة الحديثة، وللأزمات السياسية على وجه التحديد وفي اشتغالها على النظريات السياسية وعلى تاريخية الأفكار والمفاهيم، يمكن ملاحظة تعدد الروافد التي تغذي فكرها، ودفاعها عن حق الاختلاف وتشديدها على أهمية الحوار والتواصل، وعلى أهمية الحرية في الأفق السياسي تحديداً وفي الحياة عموما.
بطبيعة الحال لا يكفي مقال للإحاطة بفكر فيلسوف ما، ولا تغني الشروح والكتب التفسيرية عن قراءة متنه نفسه، ولكن ما يهمنا هنا بالدرجة الأولى هو مسألة العنف في فكر أرندت الذي خصصت له كتابا بعنوان "في العنف".
السلطة والعنف
تنطلق أرندت في اشتغالها على موضوعة العنف من ملاحظة "فريدريك انجلز" أن العنف بحاجة دائمة إلى أدوات، وتشير إلى أن "ثورة التكنولوجيا كثورة في صناعة الأدوات، ارتدت على الدوام أهمية فائقة في المجال العسكري"، وأن جوهر فعل العنف نفسه، إنما تسيره مقولة : الغاية والوسيلة، المحاطة دائما بخطر أن الوسيلة قد تتجاوز الغاية، بالإضافة إلى أن النتائج التي يسفر عنها عمل البشر، تتبدى دائماً منفلتة من رقابة من يقومون بالعمل، "فالعنف يحمل في ذاته عنصرا إضافياً تعسفياً"، والاقتراب من ميدانه يذكر دائماً بعنصر اللا متوقع الذي يتجاوز حذر رجل الدولة على حد تعبير "برودون".
تميّز أرندت بين العنف والسلطة، فتشير إلى أن السلطة "تعني قدرة الإنسان ليس فقط على الفعل، بل على الفعل المتناسق"، وأنها "لا تكون أبداً خاصية فردية، بل إنها تعود إلى مجموعة، وتظل موجودة طالما ظلت المجموعة مع بعضها البعض".
إنها "تعني شيئًا آخر ما مفردة، كينونة فرد، إنها تخص المعزوفة إلى شيء أو شخص تنتمي إلى براون تبرهن على الناشئة بالعلاقة مع أشياء أو عشاء شخصي، لكنها تكون جوهرية مستقلة عنهم".
وأوضح أن العنف "يتميز بطابعها ديوي، لأنه من الواضح إلى حد ما، أنه يؤدي إلى أدوات العنف، كما هو الحال مع الأسلحة، ولكن من استخدام عدد محدود من الإمكانات حتى يبدأ من أن يحل محلها، في آخر مراحلها"، ويفضل أن يكون العنف ليس دينياً أو لا عقلانياً، سواء إذا فهمنا هذه المصطلحات من وجهة نظر العلوم أو بالتوافق مع معيات علمية، "فأن يكون العنف شديداً جداً، يرعاها الجميع، ومن المؤكد أن يكون لا واقعي". ومرضياً ولكن أليسون هذه حال كل المشاعر البشرية الأخرى؟"
تبتعد أردنت من هذه المجموعة الفرنسية للعنف والغضب إنساني وعقلاني وينتمي إلى إنسان إنساني، وأن تجريد الإنسان من العواطف هو هو هو عقلاني ولاإنساني، ولكن تطرح العنف في الساحة السياسية في الميدان: الحرية الاجتماعية في فبراير، ولاسيما إلى تجريد الإنسان الذي يغضب أو يستخدم العنف من إنسانيته أو لإقصاء من أفق الإنسانية، انتبه إلى أن الخطر الكبير يتأتى من كون العنف يحتاج إلى الأجيال السابقة إلى سابق عهد، من القرن الماضي أن تصعيد العنف قد يبعث إلى الحياة الأيدولوجية الأساسية. تجاره كمبرر.
ونظراً لأن العنف يمكن أن يبقى عقلانياً فقط "في متابعته لأهداف على المدى" لأنه "لا يؤثر على الأمور، ولا يتعلق بالتاريخ ولا يتعلق بالثورات، ولا يتعلق بالتقدم أو التأخر" فقد توصل إلى "لكن المشكلة تكمن في أنه لا يستبعد عدم تمييزه" لأن "غير الذي ينجح في تحقيق أهداف المدى الطويل أو التوجهات التي" بالإضافة إلى أن خطر العنف حتى يتجه ضمن إطار واع وغير متطرف، سيبقى على الدوام في أن الوسيلة قد تتغلب على ذلك.
رفيق، إن العنف والسلطة في درجة أرندت "ليسا بأي حال ظاهرتين طبيعيتين، أي تجلٍ لا حياة للحياة؛ بل أنهما متحرران إلى ملكوت السياسة المهيمن على قضايا البشر، هذا الذي لا يمكن ضمان إنسانيته إلا بقدرة الإنسان على التصرف، وقابلته لأنه يبدأ جديداً شيئاً".
لا شك في أن تأملات أرندت في العنف باباً جديداً وألقت الضوء على أهمية مسألة العنف المهملة تاريخياً من قبل الفلاسفة وعلماء الاجتماع، إلا أن نرى للعنف يشارك ضمن مجموعة "انجلز" الأدواتي، لكن الأهم أن أرندت التي لجيل من المفكرين ما بعد ماركسيين، تدافع عن الإنسان تحت وقه في المجتمع الكريم، وهذا ما لا يوجد لسلطة دموية.