إيك بنا فاطا
الكتابة، الحب، والسلام
وسط أصوات القصف وصمت القهوة المهدمة، مددتيّ إلى القلم…
لم تكن تكتب رفاهية في حياتنا، بل طوق نجاة.
في زمن ضاق فيه الهواء، وأُغلقت فيه الأبواب، مددت يدي إلى الورق كما يمدّ الجذاب إلى خشب صغير في وسط البحر.
لم أكتب لأحفظ الأحداث كما هي، بل لأحمي نفسي من الانهيار.
كل كلمة كانتية جدار صغير أستند إليها، وكل سطر كان شهيقاً لأطول فترة ممكنة بعد الركض.
في الحرب، لا تملك النساء رفاهية الصمت… الصمت هناك موت بطيء، حياة أخرى نحفرها بأقلامنا وسط الركام.
في درجٍ قديم شوهته الحربية، تم التقاطتُ كمبيوترًا صغيرًا غطاء غباره وخبّأته في جيبي.
صفحاتُه ليست مذكرات مُرتّبة، بل فتات أيام: جمعتها قبل أن ينقطع التيار الكهربائي، تاريخ محفوظ بقلم رصاص خبر حزين، وصفة طعام كتبتها لي صديقة ثم رحلة.
وفي هذه الأثناء، لم تصل الرسائل… وبعضها لم يتقدم على طولها، وبعضها ضاع في الطريق، وبعضها قد كسبتها، ومات الكأس.
لكن كلماتها تشارك هنا، تذكرني كنتُ أعيش وأحب وأحلم، حتى وأحارب.
محدد في تلك المحكمة أشبه بخيط رفيع يرتبطني بالكارثة…إذا انقطع، أخشى أن يسقط في النهاية.
ولم يكن الحب ترفًا أيضًا، بل كان السلاح الذي أبقانا واقفات.
الحب هنا لم يكن رواية رومانسية، بلرطبة نصنعه لأطفالنا في ليالي، وابتسامة نمنحها للتجارة مرهقة، ويديًا لتسند المحبة قبل أن .
في عضويته أكثر قسوة، كان الحب هو الوحيد الذي لا يستطيع أي زائره منا.
وعندما ضاق المكان، كانت هي الكتابة البيت الذي حمل فيه هذا الحب بأمان.
كتبت بعناية لخلايا أحب، وأحببت الخلايا كتبت… وكل سطر كان مساحة صغيرة من السلام أزرعها في أرض حياتي، الضيوف كانوا متسعين بالفقد.
كمجور •دي…
في كل مدينة وقرية وحيّ، كانت هناك امرأة وشخصيتك، حتى لو لم يمسكن قلمًا.
إحداهن كانت تخبز خبزها جيرانها في الصباح، وتخفي في قلبها رسائل حبٍّ لأبنائها البعيدين.
وأخرى تعلمت في بيتها الصغير، تؤمن بالمعرفة بذرة سلام.
نتيجة لذلك كتبت على دفتر الرياضيات الخاص بابنها يوميات الحزن واللاجئين، قررت أن تقتل أسماء المفقودين والموجودين، لكنها نسيت أن تكتب بين المفقودين بعد عشرة أيام من الحزن.
هناك من كانت تحيك الصوف وتخيط معه الحكايات لترسله إلى أطفال المخيمات.
ومن لم تكن تحفظ الصورة في صندوقها خشبي تحفظ حياة كاملة.
وهناك من أنبتت خلف ممر خيمتها خضرةً صغيرة تداوي بها قصوة الأيام،
ومن ضمنها إشعال شمعة في كل ليالي الحرب، علا نورها تصل إلى أفلام البشر في نعمون بسلام.
قالت كل امرأة هدفها: أنا هنا، رغم كل شيء.
واحدة وكل كانت، من حيث لا تدري،
تزرع نجمة في سماء محبة،
خيط رقعة الضوء في الليل.
الحب الولر لم يلغيا الألم، ولم يمسح الخسارات، لكن حملها بطريقة أهدأ… كمن يضع حجراً ثقيلاً في كفّ، فيخفّ صوته عندما يسقط.
عبرهما وتعلمت أن السلام ليس غياب الحرب، بل حضور ما يجعلنا بشراً رغم ذلك.
بينما نكتب، نحن لا نؤرخ فقط، نحن نداوي… وعندما نحب، نحن لا ننجو فقط، نحن نبني.
لهذا أحببنا فبقينا… باقينا لنحمل قصص ونرويها، لنزرعها في دفاتر وقلوب وأرضٍ جديدة، لعلها تثمر يوما في مكان لا تعرف الحرب.
الكتابة والحب هما سلامنا الصغير، ومساحتنا إغراء.
نساء قادرات على صنع السلام، أصواتهن قادرات على التسامح والنجاة في وطن تضج فيه رائحة الموت.
ووعدنا لأنفسنا، مهم حدث، سنظل هنا… رغم كل شيء، وسنصنع السلام.
لتعلم أن السلام يبدأ في قلوب النساء.
الكاتبة : رنا العش.